هيثم أبو الغزلان
يطرح البعض سؤالًا صادمًا: هل يمكن إنهاء المقاومة الفلسطينية؟ يترافق ذلك مع استمرار العدوان الأمريكي-الصهيوني على إيران، وما يحمله من محاولات لإعادة هندسة المنطقة سياسيًا وأمنيًا. ويزداد وقع السؤال حدّة بعد أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وما أعقبها من حرب إبادة وتدمير ممنهج في قطاع غزة، في سياقٍ ما تزال تداعياته مفتوحة على تحولات متسارعة محليًا وإقليميًا ودوليًا.
غير أنّ طرح السؤال بحد ذاته ينطوي على افتراضٍ مُسبق، يقوم على تعريفٍ واحد للمقاومة واختزالها في لحظة بعينها أو في شكل محدّد من أشكال الفعل. بينما تكشف التجربة الفلسطينية، عبر تاريخها الطويل، أنّ المقاومة لم تكن يومًا فعلًا ثابتًا أو نموذجًا واحدًا، بل مسارًا متحوّلًا يتبدّل ويتكيّف مع تبدّل شروط الصراع وموازين القوى، ومع التحولات السياسية والاجتماعية التي تحيط به.
يتطلّب هذا السؤال، قبل البحث في ما إذا كان يمكن إنهاء المقاومة الفلسطينية، التوقف عند ما يُقصد أصلًا بـ “الإنهاء” ودلالاته. هل يعني ذلك تفكيك بنية الأجنحة العسكرية للفصائل؟ أم كسر الحاضنة الشعبية وفصلها عن تبني خيار المقاومة؟ أم نزع الشرعية السياسية والأخلاقية عن فعل المقاومة نفسه؟ أم أنّ المقصود هو إنهاء فكرة المقاومة بوصفها خيارًا تاريخيًا لشعب يعيش تحت الاحتلال كما بات يُردّد رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو؟
من الواضح أنّ هذا المفهوم غامض ومتشابك، ما يجعل السؤال إشكاليًا.
فالمشكلة ليست في وجود المقاومة، بل في وجود الاحتلال نفسه، وبالتالي فإن اختزال المقاومة في بُعد واحد ويُقصد بذلك البُعد العسكري، سيُؤدّي حتمًا إلى استنتاجات مضللة ونتائج غير واقعية.
من منظور إسرائيلي، يُطرح “إنهاء المقاومة” بوصفه هدفًا أمنيًا وسياسيًا يقوم على مزيج من القوة العسكرية وسياسات الردع والاحتواء. وتعتقد قيادات إسرائيلية، مدعومة بقطاعات واسعة من جمهورها، أنّ الصراع مع الفلسطينيين هو صراع وجودي، تُختزل معادلته في منطق: إمّا نحن وإمّا هم.
وضمن هذا الإطار، لم تقتصر السياسات الإسرائيلية على الاغتيالات وتفكيك البنى التنظيمية للمقاومة، بل اتخذت شكل حرب شاملة بلغت حدّ الإبادة في قطاع غزة، رافقها حصار طويل، وتحكّم صارم بالمساعدات الإنسانية، واستخدامها أداة ضغط سياسي. كما سعت إسرائيل إلى ربط إدخال الغذاء والدواء، وملف إعادة الإعمار، بشروط تتصل مباشرة بتجريد المقاومة من سلاحها، في محاولة للفصل بين المجتمع الفلسطيني وخياراته المقاومة، وإنهاء الفكرة ذاتها لا مجرد أدواتها.
أما على الصعيد الفلسطيني، فلا يمكن فصل النقاش حول مستقبل المقاومة عن التحولات الداخلية في الواقع الفلسطيني نفسه. فالإبادة والتدمير لقطاع غزة والعمل على إعادة هندسة الواقع الفلسطيني هناك، عبر التحكّم بالمساعدات وإعادة الاعمار، وإبقاء الباب مفتوحًا أمام مشاريع التهجير والتدويل. وللأسف، فإنّ الانقسام السياسي المستمر، وتآكل المشروع الوطني الجامع، وغياب الأفق السياسي الواضح، أسهمت جميعها في إضعاف البنية التنظيمية التقليدية للفعل المقاوم، وفي تفكّك مرجعيّاته المركزية. وهنا لا بد من الإشارة إلى أنّ المقاومة الفلسطينية بكافة تفرّعاتها، طيلة العدوان الإسرائيلي بعد طوفان الأقصى، قد قدّمت نموذجًا رائعًا ومُذهلًا، ويكاد أن يكون أسطوريًا في الصمود والمقاومة.
يثبت هذا الواقع أنه، رغم عمق التحولات التي شهدتها الساحة الفلسطينية وخطورتها، ورغم اختلال موازين القوى أصلًا لمصلحة الاحتلال وداعميه، فإن ذلك لم يُفضِ إلى إنهاء منطق المقاومة، بقدر ما أسهم في إعادة تشكيله. ففي ظل الظروف المستجدة في قطاع غزة، بات من الطبيعي أن تتبدّل الأولويات، وأن يُعاد تنظيم الفعل المقاوم ضمن مقاربة تُعلي من صمود المجتمع الفلسطيني على أرضه، وتُفشل أهداف التهجير، وتسعى إلى تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.
ويأتي ذلك في وقت تتفاقم فيه الأوضاع المعيشية والإنسانية في القطاع، مع انتشار الأوبئة، وانهيار الخدمات الصحية، وتعطّل العملية التعليمية، ودمار البيئة والبنية التحتية، والنقص الحاد في الغذاء، فضلًا عن استمرار الخروقات الإسرائيلية اليومية، في ظل عجز عربي ودولي واضح عن إلزام إسرائيل بالالتزام باتفاق وقف إطلاق النار.
إنّ تغيّر أولويات المقاومة، أو تراجع وتيرة أدائها أو تصاعدها، لا يعني بالضرورة التخلي عن الفكرة ذاتها، بقدر ما يعكس حيويتها وقدرتها على قراءة الواقع وتعقيداته، بما يحمله من قيود وإمكانات. ففي سياقات مأزومة، قد ينتقل الفعل المقاوم من أنماط مركزية منظَّمة إلى أشكال أكثر لامركزية، وأحيانًا فردية، تنبع أساسًا من انسداد الأفق السياسي، أكثر مما تصدر عن قرار قيادي مباشر. وهو ما يؤكد أن تراجع القدرة التنظيمية أو العملياتية للمقاومة، مع بقاء الدافع المقاوم حيًّا، ولو بأدوات وأساليب مختلفة تفرضها شروط المرحلة، لا يعني القضاء عليها، بل يكرّس فشل محاولات إنهائها.
وخطاب “إنهاء المقاومة” أيضًا، يتغذّى على رهانات إقليمية ودولية، هدفها إعادة تعريفه وإدارته ضمن أطر جديدة، تتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها عبئًا سياسيًا ينبغي تحييده. ولا تتعامل معها كقضية تحرّر وطني تستدعي معالجة جذورها. وهذا يتكامل مع مقاربات تقوم على “إدارة الصراع” بدل إنهائه، عبر ضبط مستويات العنف، واحتواء الفعل المقاوم، ونزع طابعه التحرري، ما يسمح باستمرار الواقع القائم دون كلفة سياسية حقيقية على الاحتلال.
وفي هذا الإطار، يُعاد اختزال القضية الفلسطينية تدريجيًا إلى ملف إنساني–إغاثي، تُقاس معالجته بحجم المساعدات، وآليات الإغاثة، وإدارة الأزمات المعيشية، لا بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف. وهكذا، يصبح الحديث عن “إنهاء المقاومة” محاولة لإنهاء معناها قبل أفعالها، عبر تفريغها من مضمونها التحرري، وتحويلها من خيار سياسي تاريخي إلى “مشكلة أمنية” أو “حالة إنسانية” قابلة للاحتواء والتدوير.
أما في الجانب التاريخي، فالسؤال ليس جديدًا على التجربة الفلسطينية، إذ تكرر طرحه مع المحطات الكبرى التي راهن خلالها الاحتلال وحلفاؤه على كسر إرادة الفلسطينيين وإنهاء مقاومتهم. حصل ذلك بعد قمع ثورة 1936، التي اعتُقد حينها
أنّ البنية الشعبية للمقاومة قد تحطّمت نهائيًا، لكن ما لبثت أن أعادت إنتاج نفسها بأشكال مختلفة. وكذلك حصل بعد نكبة 1948، وتشريد الشعب الفلسطيني وتفكيك بناه المجتمعية، فساد الاعتقاد بأن القضية طُويت، غير أنّ المقاومة عادت لتتشكل من خارج الوطن وداخله معًا. وتكرّر الرهان ذاته بعد اجتياح بيروت عام 1982، حين ظُنّ أن إخراج منظمة التحرير الفلسطينية عسكريًا من لبنان سيُنهي الفعل المقاوم، فإذا ببروز حركتي الجهاد الإسلامي وحماس، وتفجّر انتفاضة الحجارة يُعيد الفعل المقاوم إلى داخل الأرض المحتلة. ثم جاء مسار أوسلو، في محاولة لإنهاء الصراع، واحتواء المقاومة سياسيًا وأمنيًا، لكن سرعان ما اصطدم بواقع الاحتلال المستمر.
تغيّرت أشكال المقاومة وأدواتها، في كل هذه المحطات، وتبدّلت ساحاتها وخطاباتها، لكن جوهرها ظلّ ثابتًا: فعلًا تحرريًا يولد من واقع الاحتلال نفسه، ويتجدّد كلما فشلت محاولات اقتلاعه.
والسؤال الذي ينبغي طرحه، ليس إمكانية إنهاء المقاومة، بل هل يمكن كسر بعض أشكال المقاومة مؤقتًا، وأيّها يعاود التشكل بفعل شروط الصراع نفسها. فالتجربة التاريخية تُظهر أنّه يمكن توجيه ضربات قاسية لتنظيمات بعينها، ويمكن إضعاف مرحلة من مراحل الفعل المقاوم أو محاصرته سياسيًا وأمنيًا، غير أنّ ما لم تنجح فيه كل هذه المحاولات هو إنهاء منطق المقاومة ذاته، بوصفه تعبيرًا طبيعيًا عن شعب يعيش تحت الاحتلال. وفي هذا المعنى، لا تُقاس المقاومة فقط بقدرتها على الاستمرار بالفعل، بل بقدرتها الدائمة على إعادة إنتاج نفسها، كلما بدا أنّها بلغت حدود الاحتواء أو الإنهاء.
إن المقاومة، بوصفها فعلًا تاريخيًا متجذرًا في واقع الاحتلال، لا تُقاس فقط بما تحققه أو تخسره في لحظة بعينها، بل بقدرتها المستمرة على التحوّل والتكيّف وإعادة التشكل.
وما دام الاحتلال قائمًا، فإنّ محاولات إنهاء المقاومة لا تُنتج نهايتها، بل تُفضي، في كل مرة، إلى إعادة إنتاجها بأشكال جديدة، تفرضها شروط الواقع، وتغذّيها استحالة كسر إرادة شعب يواجه اقتلاعًا مفتوحًا.
والسؤال الذي يبقى مفتوحًا: متى تنفجر الأوضاع، وكيف؟