أبو شريف رباح
31\3\2026
في تحول خطير يعكس تصعيدا غير مسبوق في سياسات سلطات الاحتلال الإسرائيلي برزت مصادقة الكنيست (البرلمان) على البنود الرئيسية لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في خطوة تتجاوز حدود القمع والقتل التقليدي إلى إضفاء صفة الشرعية عليه، فهذا القانون الذي يفترض أن يدخل حيز التنفيذ بعد أشهر من إقراره لا يمكن النظر إليه كإجراء قانوني داخلي فحسب بل كعنوان لمرحلة جديدة من الانتهاكات الجسيمة التي تستهدف الإنسان الفلسطيني في وجوده وحقوقه الإنسانية.
فعلى مدار سنوات طويلة وثقت تقارير حقوقية محلية ودولية ما يعرف بسياسة الإعدام الميداني، حيث قتل فلسطينيون في ظروف تثير شبهات جدية حول استخدام الجيش الإسرائيلي القوة المفرطة خارج نطاق القانون، إلا أن الخطورة اليوم تكمن في الانتقال من هذه الممارسات التي كانت ترتكب فعليا على الأرض إلى محاولة تشريعها ضمن منظومة قانونية تجيز إعدام الأسرى بعد محاكمات تفتقر إلى معايير العدالة الدولية خاصة في ظل واقع الاحتلال الذي يقوض أساسا مفهوم القضاء المستقل والنزيه.
لذلك فإن الحديث عن آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين قد يواجهون خطر الإعدام في حال تطبيق هذا القانون يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة النظام القانوني الذي يسعى الاحتلال إلى تكريسه وحول مدى توافقه مع قواعد القانون الدولي الإنساني لا سيما اتفاقيات جنيف التي تحظر العقوبات الجماعية وتؤكد على ضمانات المحاكمة العادلة للأسرى والمعتقلين، كما يطرح هذا الواقع إشكالية عميقة تتعلق بتصنيف هذه السياسات التي قد ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية في حال ثبت أنها تمارس بشكل منهجي وواسع النطاق.
وفي هذا السياق يبرز غياب موقف دولي حازم كأحد أبرز مظاهر الاختلال في منظومة العدالة الدولية، فأين دور الأمم المتحدة في حماية المدنيين تحت الاحتلال؟ وأين تقف مؤسسات مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومنظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش أمام هذه التطورات الخطيرة؟ إن الصمت أو الاكتفاء ببيانات الإدانة لا يرقى إلى مستوى التحدي ولا ينسجم مع حجم الانتهاكات التي تهدد حياة آلاف الأسرى.
إن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين لا يشكل فقط انتهاكا لحق الحياة الإنسانية بل يضرب في العمق مبادئ العدالة والقانون الدولي ويؤسس لسابقة خطيرة في التعامل مع الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، كما أنه يعكس نزعة متطرفة نحو استخدام القانون كأداة للقمع بدلا من كونه وسيلة لتحقيق العدالة.
في المحصلة فإن ما يجري لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التي تستهدف كسر إرادة الشعب الفلسطيني لكنه في الوقت ذاته يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي، إما التحرك الجاد لوقف هذا القرار أو القبول بانهيار ما تبقى من منظومة القيم القانونية والإنسانية التي طالما ادعت حمايتها.