أيهم السهلي
«وهذا الأفق إسمنت لوحش الجوّ
نمشي في الشوارع باحثين عن السلامةِ
من سيدفننا إذا متنا
ويا.. يا يوم بيروت المكسّر في الظهيرة
عجّل قليلاً
عجّل لنعرف أين صرختنا الأخيرة» ــــــ «مديح الظل العالي» – محمود درويش
لم يتح للبنان أن يستريح، ولا لعاصمته أن تخلد قليلاً إلى النوم، فلها في كل تاريخ حدث، وفي كل حدث مأساة، وفي كل مأساة ضحايا. وهكذا تمضي هذه المدينة المطلة على المتوسط الذي لا يدع بيروت تعيش في وسط، فإما أن تكون في اليمين وإما أن تكون في اليسار. ومع ذلك تتمكن هذه المدينة من بين مدن المنطقة كلها على التعايش مع كل شيء، أن تتقولب مع كل أحد، وتكون هي بيروت التي تعرف كيف تحيا.
هذا الشاطئ الصامد في مكانه منذ الأزل، والذي يحد غرب لبنان من شماله إلى جنوبه، مرّ عليه التاريخ ولم يقف. وفي بيروت رأى حياة أخرى، وموسيقى مختلفة، ولغات أجنبية ولهجات عربية عدة هربوا أصحابها من بلدانهم إلى بيروت، ليقولوا كلمتهم، ويسمعوا أصواتهم، ويعلون من رايات حريتهم كتاباً وقصيدة ولوحة وأغنية ومقالة.
قبل أيام فقدنا أحمد قعبور، وفي السنة الماضية فقدنا زياد الرحباني، صوتان من زمن بيروت، ما كان لهما أن يكونا لولا هذا البلد الذي يعيش حروباً ويعيش أحلاماً، وصراع أفكار لا ينام، ولا ينهزم، حتى وإن نامت رؤوس الفكر وانهزمت، ستبقى مقاهي الحمرا تستقبل هذه الرؤوس التي تظل تنادي أفكارها، حتى وإن انفضت الناس من حولهم ومن حول أفكارهم. هذه بيروت، العاصمة التي يسهل القول إنها العاصمة التي يتنفس في رئتيها الشعر، وتتلون في قلبها اللوحات.
وقبلهما فقدنا الياس خوري، صاحب «الجبل الصغير»، الذي قال «بيروت ليس جميلة، لكنها فاتنة» وهو يوضح لمستعرب فرنسي درس العربية في دمشق، وصار مهووساً فيها، لكنه لما زار بيروت أصيب بخيبة واستغراب من أصحابه الدمشقيين المسحورين ببيروت. وبيروت فتنة كما قال الياس: «فالمفتون لا يعرف لماذا سقط أسير الفتنة، والعاشق يداوي عشقه بكلمات يحاول عبرها أن يكتشف أسرار قلبه، فتزاد الأسرار غموضاً».
هكذا هي العلاقة مع هذه المدينة التي تقصف هذه الأيام كما أنحاء لبنان، فهي «تفاحة للبحر، نرجسة الرخام، فراشة حجرية بيروت، شكل الروح في المرآة، وصف المرأة الأولى ورائحة الغمام» كما قال فيها محمود درويش. يحق لهذه المدينة أن تتغنى بنفسها، أن تغتر بوجودها وبقوتها، فهي مدينة لا تشبه إلا نفسها «ولا ترفع الأعلام البيضاء» كما عنونت جريدة «السفير» في عددها الصادر في 5 آب 1982، خلال الحصار الإسرائيلي لبيروت. حمل هذا العدد لوحة شهيرة لناجي العلي، قال فيها حنظلة «صباح الخير يا بيروت» وهو يحمل وردة يقدمها لامرأة هي بيروت «عاصمة الألم» كما سمّاها سمير قصير.
هذه التفاصيل التي لا تخص مكاناً آخر سوى بيروت، هي إرث قرون تجمّع في مدينة واحدة. صحيح أن بيروت قتلت عمارتها القديمة، فلم يعد من ذاكرة الحجارة فيها إلا أطلال مترامية بين الأحياء، سيجهز عليها هي الأخرى في وقت ما، لكن أهلها مع غرباء المدينة باقون، يحفظون الذاكرة، ذاكرة الحكايات التي لا تموت، ولا يمكن لها أن تموت، وتظل تحلم وتعلّم الناس أن تحلم، رغم أنها واقعية جداً في كل شيء، في الحب والألم والحياة والموت. لا تتعلق بأحد، ولا تترك أحداً من دون أن يتعلق بها.
تنام العواصم، إلا بيروت تصحو لتكتب حكاية الحرب أو الحروب المتعددة على جبهات حياتها، وتظل تنتظر صبر العواصم القاتلة والمقتولة وتلك التي بينهما. هذه البيروت الباقية بقاء التقاء البحر مع البر، قتّلت البارحة في وضح النهار، في وقت كانت الناس تلتقط التفاؤل. لكن سيل الموت القادم من طائرات الموت جرف حياة الناس في بيروت، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، ومنهم من سيبقى على قيد الأمل.
* كاتب فلسطيني