تميم البرغوثي
أيها الناس، أسجّل هذه الكلمة، بعد شن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل حرباً على إيران لأربعين يوماً، تلاها وقف إطلاق نار لأسبوعين، وقد سيطرت إيران على مضيق هرمز، فأمر الرئيس الأميركي بفرض حصار على موانئها. فأنا أقول إن من بدأ هذه الجولة من الحرب قد خسرها، سواء توقفت أو استؤنفت، وإن الحرب ستؤدي على الأرجح إلى خروج القوات الأميركية من المنطقة برمّتها، والاستفراد بإسرائيل، فاصبر عليّ قليلاً، أبيّن لك كيف.
إنه لا يُتصوّر إلا حال من اثنتين، إمّا أن تبقى إيران مسيطرة على المضيق أو يخرج من يدها، ومع أن كل الاحتمالات مفتوحة في الحروب، فإن احتمال خروج المضيق من يد إيران ضئيل. إن فتح المضيق لا يتأتّى إلا بواحدة من ثلاث: احتلال إيران، أو تغيير نظامها أو تغيير إرادته، فأمّا احتلال الولايات المتحدة لإيران، فإن اتساع الأرض وكثرة الناس ووحدتهم، وقلة القوات البرية الأميركية، وتجارب الأميركيين في العراق وأفغانستان، والعمق الاستراتيجي الممتد إلى روسيا والصين، حيث لا تقبل روسيا أن تُحجب عن المياه غير المتجمّدة في الخليج والمحيط الهندي، والصين لا تقبل أن يسدّ عليها غريمها الأميركي مجال تنفسها التجاري من الجهتين غرب آسيا وشرقها من إيران إلى تايوان، كل ذلك يشير إلى استحالة احتلال البلد. وأمّا تغيير النظام فإنه لا يكون إلا باحتلال البلد، فإذا استحال الأول استحال الثاني.
وأمّا تغيير إرادة النظام، فكذلك لا يكون إلا بالتهديد بتغيير النظام، فإذا استحال تغييره، استحال تهديده. ومن قال يجوز تغيير إرادة النظام بترغيبه، فمحال أيضاً بسبب إخلاف الولايات المتحدة وعودها ونقضها اتفاقاتها السابقة معه، فلا ضمانة لأي وعد ترغيبي إلا بإبقاء هرمز في يد طهران.
فإذا بقي المضيق في يد إيران فقد ارتفعت عنها العقوبات تلقائياً؛ فكل دولة تحتاج إلى المضيق لاستيراد الطاقة أو تصديرها لن تقدر على استخدامه إذا التزمت بأي عقوبات على إيران. وإنّ فرض الرئيس الأميركي حصاراً بحرياً على إيران وهم، يضرّ حلفاءه أكثر من أعدائه، فهو لا يقدر على محاصرة موانئ إيران على بحر قزوين الواصلة بينها وبين روسيا، ومنعه ناقلات النفط التي تدفع لإيران رسوم المرور من المضيق، يؤذي حلفاءه في آسيا وأوروبا ويقطع أرزاقهم، ويفاقم أزمة الطاقة، ولن يدفعهم ذلك لشراء النفط الأميركي كما يحب أن يقول. فلم تزل روسيا أقرب إلى الأوروبيين من الولايات المتحدة، وقد رفع هذا الرئيس نفسه العقوبات عن النفط الروسي بسبب شنه هذه الحرب.
وأمّا الآسيويون، فإن إيران وروسيا لا يعوقهما شيء عن أسواقهما في الصين والهند. بل لا مخاطرة بالقول إن العقوبات على إيران قد ارتفعت فعلاً منذ راح الآسيويون والأوربيون، يستأذنون إيران في المرور من المضيق لا الولايات المتحدة، ولا يبدو أن أي شيء يمكن لهذه الأخيرة فعله لاسترداده، بل إن كل اجتهاد لها ينقلب عليها وعلى حلفائها، ويثبت لهم، غربيهم وشرقيهم، أنها لا تقيم وزناً لمصالحهم.
فإذا ارتفعت العقوبات استطاعت إيران بناء كل ما تدمّر في الحرب من أصول عسكرية أو مدنية، وتطوير قدراتها الصاروخية، بل واستطاعت إعادة تسليح حلفائها في الإقليم، وإن كانت قدرات المقاومة اللبنانية والفلسطينية مثلاً قد ازدادت باطّراد منذ أكثر من ثلاثين عاماً وإيران تحت العقوبات، فلك أن تتخيّل كيف يكون حالها الآن. ثم إن سيطرة إيران على المضيق لا تعني رفع العقوبات في الحاضر فحسب، بل هي أمان من فرضها في المستقبل، فتقدر إيران، إن شاءت، مثلاً، الانسحاب من اتفاقية منع الانتشار النووي، وهو ما سيراه كثيرون في إيران وخارجها، واجباً أخلاقياً على نظامها تجاه مواطنيها بعد تعرّضها للهجوم المباغت مرتين من قوتين نوويتين.
ويتلو هذه السيطرة الإيرانية على هرمز أيضاً، أن الحضور العسكري الأميركي في المنطقة، إمّا أن يزول، أو يزول أثره، وقد أصبح بالفعل قليل الأثر، إذ لم يحقق أغراضه من هجوم ولا دفاع، ثم هو مُحرِج، فبدلاً من الردع، أصبح رمزاً ملموساً عن عجز القوة العظمى عن فرض إرادتها والقيام بإحدى أبسط مهام القوى الإمبريالية التقليدية تاريخياً وأُولاها وأَولاها، من تأمين طرق التجارة الدولية، ولا بد أن نذكر هنا أن بريطانيا العظمى، يؤرّخ لكفّها عن كونها قوة عظمى بعجزها عن استعادة قناة السويس من مصر عام ستة وخمسين.
هذا وإنّ الصين وروسيا وغيرهما قد رأت عجز القوة العظمى في أربعين يوماً من القتال عن فرض إرادتها من فتح مضيق لا أكثر. ففي فشل الولايات المتحدة هنا ما يُجرِّئ عليها خصومها سواء في شرق آسيا أم في شرق أوروبا، والقوى العظمى إنما تعيش على سمعتها والحاكم في خيال المحكوم.
أيها الناس، قبل أيام، قال الرئيس الأميركي بالحرف: «إن حضارة كاملة ستموت الليلة، ولن تستعاد بعد أبداً» ثم قبل بوقف إطلاق النار. وهذا تصريح لم يصدر مثله عن أي حاكم في التاريخ، خيّر أو شرير، عاقل أو مجنون، في حرب ولا سلم. وفي سياق استهدافه للمدنيين: فإن قوله هذا في حد ذاته، جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، لكن المهم، أن رجلاً يهدد بمحو حضارة كاملة حسب لكي لا يبدو ضعيفاً، رجل ضعيف! وقد شهد العالم كله ضعفه هذا، وعلنية الضعف تفاقم أثره!
وقد دعت فصاحات الرئيس الأميركي العالم للتأمل الجدي في احتمال استخدام الولايات المتحدة أو إسرائيل السلاح النووي ضد إيران. أكرّر، إن كل الاحتمالات واردة في الحروب، ولا سيما مع إدارة أميركية كهذه، ولكن حتى إن استخدم لا سمح الله، فإن هذا لن ينقذ الولايات المتحدة من خسران نفوذها في الإقليم وفي العالم.
لقد أدّى استخدام السلاح النووي، المرة الوحيدة التي استخدم فيها، ضد اليابان، إلى استسلامها غير المشروط، لعوامل عدة، منها أنه أتى في آخر حرب عالمية أخذت أعمار الملايين فكان يقارن بغيره من أحداثها، ومنها أن لا أحد في العالم كان يعرف هذا السلاح قبل استخدامه ولا مقدار ما عند أصحابه منه، وأن كل قوة يخشى مستخدموه من رد فعلها كانت قد انهزمت قبل استخدامه، لكن أهم هذه العوامل هو أن النظام المُستهدف كان مركزياً وبلا حلفاء، فإذا استسلمت طوكيو لم يبق من يقاتل في اليابان أو خارجها، وكان إمبراطورها هيروهيتو يعرف أن نظامه سيستمر في الحكم إذا استسلم، بل ستحالفه الولايات المتحدة ضد عدويه اللذين كانا حليفيها في الحرب العالمية، الصين والاتحاد السوفياتي وتحميه منهما. وهذه العوامل، كلها، ولا سيما هذان الأخيران، المركزية ووعد الاستمرار، غائبان في حالة إيران.
فلو استخدمت القوات المعتدية السلاح غير التقليدي ولم تستسلم بعد إيران أو حلفاؤها، فلن يؤدي هذا إلا إلى تجرئة مَن يملك السلاح على استخدامه، وتجرئة من لا يملكه على تملكه، وعلى تحديه إلى أن يتملكه، فيتآكل بذلك الأثر الرادع لهذا السلاح، فلا تزيد الولايات المتحدة وإسرائيل خصومهما إلا جرأة عليهما…
إن كل ما تفعله الولايات المتحدة وإسرائيل في هذه الحرب يضرّهما أكثر مما ينفعهما، وهذا جزء من حركة التاريخ العامة، حيث كثرة الناس في العالم الثالث، والتطور التقني، جعلا الاستعمار الكلاسيكي مستحيلاً. فتهديد الولايات المتحدة به الآن فارغ من المعنى، كأن تهدد بريطانيا اليوم مثلاً باحتلال الهند، أقول كل ما تفعله الولايات المتحدة، وما يتصور أن تفعله، من الاغتيال إلى الدمار والشامل وما بينهما في هذه الحرب، لا أفق له. وإن إقليمنا على أبواب مستقبل يقلّ فيه الحضور العسكري الأميركي، وإن العالم على أبواب مستقبل، تقلّ فيه السطوة العسكرية الأميركية، ولكم أن تتخيّلوا معي ما مصير إسرائيل غداً إذ لا أميركا لها…
أيها الناس، إن كل مذبحة ترتكبها إسرائيل في المدنيين العزّل في فلسطين أو لبنان أو غيرهما، لن تحميها من تسلح المقاومين حولها، بل تزيد الدين الذي عليها لهم. وأكرر بأن مشروع إسرائيل نفسه فشل، وبطلت فكرته، فالكيان الذي أسّس مأمناً لمستوطنيه، صار من أخطر بقاع الأرض على كل من يقطن فيه. وإن أول الهروب هروب المال، ثم هروب الرجال، وتابع إن شئت هروب رؤوس الأموال، وشكوى الجيش الإسرائيلي مما يسميه أزمة الموارد البشرية في صفوفه، لتعرف في أي اتجاه يمضي التاريخ بنا وبهم.
أيها الناس، في عام واحد وعشرين قلت إن تحريرها كلها ممكن وممكن في هذا الجيل، ثم حين نشبت الحرب في تشرين الأول/أكتوبر، قلت إن تحريرها كلها بدأ إن لم يخذل بعضنا بعضاً، وإنه خير لنا أن نقاتل العدو معاً بدلاً من أن يقتلنا بالدور، ثم في ربيع عام 24 قلت إن الحرب تتوسع أمامكم مهما حاول البعض تفاديَ ذلك، وفي حرب الـ12 يوماً صيف عام 25 حين هجمت إسرائيل على إيران، في كلمة عنوانها «تحريرها كلها اقترب» قلت إن إيران ستغلب حتى وإن دعمت الولايات المتحدة إسرائيل، وقلت إن الحرب مستمرة وإن توقف إطلاق النار فيها غداً أو كثرت فيها الهدن، وقلت إن سلم هذا العدو حرب، وإن خطر إسرائيل واحد على المقاوم والمسالم والمحايد والوسيط، وإن الحرب صفرية، ستكثر جولاتها ولكنها لن تنتهي إلا في القدس، وكل ذلك في رسائل مصورة نشرتها مستقلاً، وعلى منصات «الجزيرة».
أقول لعل صدق ما توقعناه من بداية الحرب يكون بشيراً بصدق ما نتوقّعه من نتيجتها…
وأنا اليوم عند قولي، إن وفى بعضنا لبعض، عرباً وفرساً وتركاً وكرداً ونوباً وأمازيغ ومن شئتم من أهل هذه البلاد غير المستوردين، فتحريرها ماثل. نحن هنا منذ آلاف السنين وباقون إن شاء الله لآلاف السنين، أمّا الغزاة في إسرائيل وحلفاؤهم الواشمون كلمة الكفر على زنودهم، فطارئون، ورحيلهم ممكن، وبدأ واقترب، وأصبح الآن حتمياً ولا رجعة فيه.