أيهم السهلي
في يوم 24 حزيران 1970 بدأت محاكمة مها أبو خليل (22 سنة) وعصام ضومط (18 سنة) وسامي عبود (20 سنة) بمحاولة خطف طائرة تابعة لشركة «إلعال» الإسرائيلية من مطار أثينا يوم 21 كانون الأول 1969، بهدف تنفيذ عملية تبادل أسرى فلسطينيين وعرب من سجون الاحتلال، وسميت العملية حينها «عملية أثينا».
لم تنجح العملية، واعتقلوا الثلاثة في أثناء صعودهم إلى الطائرة، وخضعوا لمحاكمة. لكن عملية أخرى لـ«جبهة النضال الشعبي الفلسطيني» في اليونان، طالب منفذوها بتحرير رفاقهم في الجبهة الشعبية، وهذا ما كان، فخرج الثلاثة، وخرج معهم ماهر اليماني ومحمود عيسى المعتقلان آنذاك في اليونان منذ 26 كانون الأول 1968، عقب نجاحهما بشن هجوم على طائرة «إلعال» الإسرائيلية في مطار أثينا، حيث رمى اليماني قنبلتين على محركي الطائرة، وقنابل أخرى تحتها، بينما رفيقه أطلق النار من رشاشه على الطائرة.
حرصت المجموعات هذه كلها، على عدم أذية المدنيين، فكانوا يقدمون التزامهم بإيصال القضية إلى هؤلاء المدنيين، لذلك مثلاً كان ماهر ومحمود يوزعان المنشورات التي توضح قضيتهم، بينما يسلمون أنفسهم للشرطة اليونانية.
واليوم بعد أكثر من 56 عاماً على «عملية أثينا» استشهدت مها أبو خليل في بيتها في صور، يوم 17 نيسان الجاري، قبيل وقت قصير من دخول وقف إطلاق النار مع الاحتلال حيز التنفيذ، فدمرت غارات إسرائيلية أبنية في المدينة، قضت فيها الدكتورة مها التي لم تغادر بيتها. ويبدو أنها لم تغادره في الحرب الماضية، ولا في حروب خلت، فظلت على عهدها في النضال وشكّلت الشهيدة «نموذجاً للمرأة المناضلة التي جمعت بين الفكر والالتزام الوطني والعمل الاجتماعي والتربوي» بحسب بيان نعيها الذي أصدرته الجبهة الشعبية.
في 26 آب، عقب وصول الفدائيين الخمسة إلى لبنان بعد تحريرهم، عقدت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مؤتمراً صحافياً لهم في مركز التنظيم الشعبي التابع للجبهة في مخيم شاتيلا، أجابوا خلاله على أسئلة عدد من الصحافيين، ومراسلي وكالات الأنباء. نشرت مجلة «الهدف» في عددها رقم 57 الصادر في 29 آب وقائع هذا المؤتمر، تحت عنوان «فدائيو الجبهة الشعبية القادمون من سجون اليونان يتحدثون عن تجربتهم ومواقفهم ومعنى عملياتهم». وفي المحتوى سأل أحد الصحافيين عن معنى العمليات الخارجية ونتائجها والأثمان التي تدفع لقاء ذلك، فكانت الإجابة من مها أبو خليل بمثابة بيان نضالي، ننشره كاملاً هنا:
لماذا العمليات الخارجية؟
•سؤال: لقد جربتم أنتم القيام بعمليات خارجية، ودفعتم ثمن ذلك فى السجن، أتعتقدون أن النتائج التي حصلتم عليها من هذه العمليات تساوي الألم الذي سببتموه لأنفسكم؟ لماذا العمليات الخارجية وفي سبيل ماذا؟
•مها أبو خليل: إننا نؤمن باستراتيجية محددة، استراتيجية تخدم قضية الثورة، وتهدف إلى تحرير أرض، هى قضية كل إنسان عربي عموماً وكل فلسطيني على وجه الخصوص.
فالاستراتيجية التي تحدد موقع الخصم تستلزم خطوات في مستوى ذلك التحديد، ونحن في الجبهة الشعبية نرى أن إسرائيل ليست وحدها في المعركة ضدنا، والشبكات الصهيونية والإمبريالية تعمل على تمويل ودعم إسرائيل بلا حدود، وليست المساعدات الاقتصادية على سبيل المثال إلا مساعدات تتحول إلى أسلحة تستخدم مباشرة ضد شعبنا الآن.
من الأمور الضرورية لأي ثورة في العالم تحديد معسكر العدو بوضوح، وعدم تحديد هذا المعسكر هو نقص في التعبئة الثورية اللازمة لطلائعنا لمواجهة العدو.
إن الالتزام التام، والاقتناع الكامل، باستراتيجية الجبهة الشعبية بالنسبة إلى تحديد موقع الخصم يعني على صعيد الممارسة القيام بأي عمل يخدم هذه الاستراتيجية، التي تستهدف تحرير الأرض والإنسان.
إن الجبهة الشعبية تؤمن بأن الشعب الفلسطيني الذي اقتلع من أرضه يحتّم عليه الواجب أن يطارد عدوه أينما وجد. وحين حرم الشعب الفلسطيني من انتمائه الجغرافي، فإن ذلك على الفور أعطاه الحق البديهي في تعقب عدوه من كل مكان يستطيعه، وفي كل مكان يطاوله.
ثم إن المرء، حين يلتزم بمنظمة نضالية مسلحة، فإن أول ما يضع في حسابه هو التضحية بحياته، ولذلك فإن القمع الذي يلاقيه، أو السجن، أو التعذيب الجسدي يأخذ من الأهمية مرتبة ثانية. إنه يتحمل جميع المصاعب التي تواجهه، ويتحداها نزولاً عند إيمانه بقضيته.
إن العمليات الخارجية تخدم قضية فلسطين وفق هذه الحقيقة البسيطة: إن تحديد العدو يخدم استراتيجية المقاومة، وضرب العدو يخدم ذلك التحديد.
إنه من الواضح أن كل مصلحة لإسرائيل بالنسبة إلينا هي هدف عسكري، إننا نعتبر كل المصالح الاقتصادية والعسكرية الإسرائيلية أهدافاً لعملياتنا، والإسرائيليون بدورهم يعتبرون كل مصالحهم الاقتصادية والعسكرية، محلياً وعلى صعيد الحركة الصهيونية العالمية، أدوات عسكرية لمتابعة القمع والقهر والعدوان.
ثمة أهداف إعلامية من العمليات الخارجية، إنها تدفع الناس إلى التساؤل، وذلك التساؤل هو حافز من حوافز البحث عن الحقيقة. إن السؤال الذي يقول: «لماذا يقوم هؤلاء بعملياتهم خارج أرضهم وليس عليها؟» قد يؤدي بسائله إلى اكتشاف أحد أهم عناصر القضية الفلسطينية.
إن ضرب خطوط المواصلات الإسرائيلية والحليفة لها يشوش حركة نقل الأعتدة العسكرية والمتطوعين والمصالح الاقتصادية، ويعرقل حركة السياحة التي هي حركة اقتصادية وإعلامية.
* كاتب فلسطيني