آخر الأخبار

كلفة الانكشاف الاستراتيجي أخطر من الحرب نفسها

3909307_1718783629

علي حيدر

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الضغوط الأميركية مع الحسابات الإسرائيلية والتحوّلات الكبرى في المنطقة، عكست المواقف الأخيرة للرئيس جوزيف عون، محاولة لصوغ مقاربة رسمية لإدارة المرحلة المقبلة، تقوم على أولوية وقف الحرب وتخفيف الأكلاف عن لبنان، انطلاقاً من قناعة بأنّ البلاد لم تعد قادرة على تحمّل حرب مفتوحة جديدة بكل تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

غير أنّ خطورة هذا الطرح بسؤال أعمق يتعلّق بطبيعة عناصر القوة التي تحمي لبنان في بيئة إقليمية لم تتوقف يوماً عن إنتاج التحوّلات والصراعات. فالتجربة التاريخية للصراع مع إسرائيل تُظهِر أنّ لحظات التوسّع الإسرائيلي الكبرى لم تكن منفصلة عن متغيّرات إقليمية ودولية وفّرت لتل أبيب فرص فرض الوقائع بالقوة، ما يعيد طرح التساؤل حول معنى «الكلفة الأقل»، وحدود الرهان على التسويات في منطقة لا تزال محكومة بموازين القوى والتحوّلات الاستراتيجية.

وتكشف مواقف عون حجم المأزق الذي يعيشه لبنان بين ضغط الحرب وضغط التسويات المطروحة تحت النار. فالدعوة إلى «وقف الحرب بأقل كلفة ممكنة» تبدو، في ظاهرها، محاولة لحماية بلد مُنهك اقتصادياً ومؤسساتياً، لكنها تفتح في العمق نقاشاً أكثر خطورة يتعلّق بمعنى «الكلفة» نفسه: هل تكمن الكلفة الكبرى فقط في استمرار الحرب، أم في احتمال فقدان لبنان لعناصر القوة التي منعته، خلال العقود الأربعة الأخيرة، من التحوّل إلى ساحة مفتوحة بالكامل أمام المشروع الإسرائيلي؟

ويكتسب هذا السؤال أهميته من طبيعة التجربة التاريخية نفسها. فإسرائيل لم تتوسّع في أعوام 1948 و1956 و1967 و1982 إلا لأنّ التحوّلات الإقليمية والدولية وفّرت لها ظروف التفوّق وفرض الوقائع بالقوة. ففي كل من تلك المحطات، كان هناك خلل استراتيجي عربي، أو تبدّل في موازين القوى، أو غطاء أميركي وغربي مباشر، أتاح لتل أبيب الانتقال من مرحلة إلى أخرى في مشروعها التوسّعي. وبالتالي، فإن جوهر المشكلة لم يكن يوماً في وجود قوة دفاع لبنانية أو عربية، بل في لحظات الانكشاف الاستراتيجي التي سمحت للكيان بتوسيع نفوذه.

ومن هنا، فإنّ الخشية المطروحة اليوم لا ترتبط بالحرب الراهنة فحسب، بل بإمكان إعادة إنتاج ظروف شبيهة بتلك التي شهدتها مراحل سابقة، أي لحظة إقليمية أو دولية تجد فيها إسرائيل فرصة جديدة للتوسّع وفرض وقائع استراتيجية على لبنان والمنطقة، في ظل غياب عناصر الردع الفعلية. لذلك، فإنّ مقاربة المقاومة بوصفها عبئاً ينبغي التخلّص منه تنسجم، في جوهرها، مع الرؤية الإسرائيلية واستراتيجيتها، حتى وإن جرى تغليف هذا الطرح بعناوين سيادية أو حكومية. ويغفل هذا المنطق حقيقة أساسية، هي أنّ المقاومة نشأت أصلاً كردّ فعل على فشل النظامين العربي والدولي في حماية لبنان ومنع الاحتلال والاعتداءات المتكرّرة عليه.

ما منع الاحتلال الدائم لم يكن التوازن الدولي، بل الكلفة التي فرضتها المقاومة على إسرائيل

وفي هذا السياق، لا تبدو المقاومة، وفق هذه المقاربة، مجرّد خيار عسكري ظرفي، بل هي عنصر توازن استراتيجي فرض قيوداً على إسرائيل، ومنعها من تحويل تفوّقها العسكري إلى سيطرة دائمة ومستقرة على لبنان. فالمقاومة حرّرت الأرض، وأسقطت معادلة الاحتلال المباشر، وفرضت للمرة الأولى كلفة فعلية على أي مشروع إسرائيلي للتوسّع داخل لبنان. بل إن وجودها أتاح للدولة اللبنانية نفسها استعادة حضورها في المناطق المحرّرة، ومنحها هامشاً من الحماية والسيادة لم يكن قائماً قبل نشوء معادلة الردع التي فرضتها المقاومة.

وتتضح أهمية هذه المعادلة أكثر بعد الحرب الأخيرة، لأنّ جزءاً كبيراً من الرهانات الإسرائيلية والداخلية قام على فرضية أنّ المقاومة استُنزفت إلى الحدّ الذي يسمح بحسم سريع ينهي دورها بالكامل. غير أنّ نتائج المواجهة أظهرت حدود القوة الإسرائيلية نفسها، إذ لم تتمكن تل أبيب من فرض احتلال مستقر وآمن، ولا من تحويل تفوّقها العسكري إلى نصر سياسي حاسم. بل دخلت في حرب استنزاف أعادت تثبيت فكرة أنّ القدرة على الصمود ومنع العدو من تحقيق أهدافه الكاملة تمثّل، بحد ذاتها، عنصر قوة استراتيجياً.

أمّا المتغيّر الأبرز في هذه المرحلة، فهو أنّ البيئة الإقليمية لم تعد شبيهة بما كانت عليه في العقود السابقة. فدخول إيران كعامل إقليمي مباشر في معادلات الضغط والتوازن غيّر طبيعة الصراع نفسه، وجعل أي حرب على لبنان مرتبطة بحسابات إقليمية أوسع وأكثر تعقيداً. ووفق هذا التقدير، أسهم ذلك في تقليص الزمن اللازم لفرض شروط الانسحاب أو وقف إطلاق النار، مقارنة بمراحل سابقة احتاجت إلى سنوات طويلة من الاستنزاف للوصول إلى نتائج مشابهة.

لذلك، فإنّ النقاش الحقيقي اليوم لا يقتصر على كيفية إنهاء الحرب، بل يتصل بكيفية منع إعادة إنتاج مراحل الانكشاف التاريخي التي سمحت لإسرائيل بالتوسّع وفرض الوقائع بالقوة في السابق. فالكلفة الاستراتيجية الكبرى، وفق هذه الرؤية، لا تكمن فقط في استمرار المواجهة وما تخلّفه من أعباء وخسائر، بل في احتمال العودة إلى واقع لبناني وعربي مكشوف، تُفتح فيه الأبواب مجدّداً أمام إسرائيل لاستثمار أي تحوّل إقليمي أو دولي من أجل فرض معادلات جديدة بالقوة. ومن هنا، يصبح الحفاظ على عناصر الردع والدفاع جزءاً من حماية لبنان نفسها، لا مجرّد تفصيل عسكري أو سياسي قابل للمساومة تحت ضغط الحرب.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة