هزار حسين
في الظاهر، تبدو صافرات الإنذار نظاماً تقنياً محايداً؛ إشارة صوتية موحّدة تُبث عبر شبكة واحدة وتصل إلى الجميع دون تمييز. إنها، وفق هذا التصور، تجسيد لفكرة الدولة الحديثة التي يفترض أن تحمي جميع من يعيشون تحت سيادتها. لكن هذا التصور ينهار عند أول احتكاك بالواقع، في لحظة الصافرة، يُطرح سؤال بسيط، هل يمتلك كل من يسمع الإنذار الوسيلة الفعلية للاستجابة له؟
هنا تنكشف الفجوة الحقيقية. ليست بين من يسمع ومن لا يسمع، بل بين من يملك مكاناً يذهب إليه ومن لا يملك.
الحديث عن «فجوة» ليس توصيفاً إنشائياً، بل يستند إلى معطيات متراكمة. تشير تقارير State Comptroller of Israel، وهي جهة رسمية داخل إسرائيل، وظيفتها الأساسية مراقبة عمل الحكومة والمؤسسات العامة، إلى قصور مستمر في جاهزية السلطات المحلية الفلسطينية داخل إسرائيل لحالات الطوارئ، يشمل نقص الملاجئ العامة وضعف البنية التحتية للحماية المدنية.
وفي بعض الحالات، لا يتعلق الأمر بتفاوت نسبي، بل بغياب شبه كامل. في عدد كبير من البلدات الفلسطينية، خصوصاً القرى الصغيرة أو غير المخططة بالكامل، لا توجد ملاجئ عامة أصلاً، وهذا ليس استثناءً بل نمط متكرر.
أمّا على مستوى الحماية المنزلية، فالفجوة أكثر وضوحاً. فمنذ أوائل التسعينيات أصبح وجود غرفة آمنة (Mamad) إلزامياً في الأبنية الجديدة داخل إسرائيل، لكن هذه السياسة جاءت متأخرة بالنسبة إلى قطاع واسع من الفلسطينيين داخلها، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 60% إلى 70% من المنازل في البلدات الفلسطينية بُنيت قبل هذا الإلزام، وبالتالي تفتقر لأي غرفة محصّنة.
في المقابل، تحتوي معظم الأبنية الحديثة في البلدات اليهودية على غرف آمنة، ما يخلق فجوة هيكلية مستمرة لا يمكن سدّها بسرعة.
النتيجة واضحة، نسبة كبيرة من الفلسطينيين داخل إسرائيل لا تملك وسيلة حماية معيارية داخل المنزل، في حين أن هذه الوسيلة متوفرة على نطاق واسع في مناطق أخرى.
قد يبدو هذا الواقع للوهلة الأولى نتيجة تأخر تنموي أو إهمال إداري، لكن قراءة أعمق تكشف أن المسألة مرتبطة مباشرة بسياسات التخطيط والبناء. فقد عانت البلدات الفلسطينية داخل إسرائيل منذ عقود من نقص في المخططات الهيكلية المحدثة، إلى جانب قيود مستمرة على التوسع العمراني، ونسب منخفضة من تراخيص البناء، وتأخر في إدخال معايير البناء الحديثة. هذا التراكم لم يبقَ في حدود التخطيط، بل أنتج واقعاً ملموساً تمثّل في انتشار البناء غير المرخّص، وفي غياب القدرة على إدخال عناصر حماية حديثة مثل الغرف الآمنة أو الملاجئ العامة.
بهذا المعنى، لم تُنتج هذه السياسات أزمة سكن فقط، بل بيئة غير محمية. وحين لا تسمح منظومة التخطيط بالتوسع القانوني، ولا توفر أدوات إدخال معايير السلامة، فإن النتيجة لا تبقى عمرانية، بل تتحول إلى هشاشة أمنية مباشرة.
إلى جانب التخطيط، يؤدي توزيع الموارد دوراً مركزياً في تعميق الفجوة. تشير تقارير صادرة عن جهات مثل Adalah (مركز قانوني لحقوق الأقلية الفلسطينية في إسرائيل) وHuman Rights Watch إلى وجود تفاوت ممنهج ومستمر في تخصيص الميزانيات والخدمات بين السلطات المحلية الفلسطينية واليهودية. ولا يقتصر هذا التفاوت على جانب واحد، بل يمتد ليشمل البنية التحتية، وخدمات الطوارئ، والاستثمار في المرافق العامة.
ورغم اختلاف التقديرات، إلا أن المؤشر العام ثابت، حيث تحصل السلطات المحلية الفلسطينية على موارد أقل للفرد، واستثمار أقل في التجهيزات الحيوية. وفي حين قد يُقرأ هذا التفاوت في الظروف العادية كمسألة تنموية، فإنه في لحظات الطوارئ يتحول إلى عامل مباشر في تحديد فرص النجاة.
تعتمد منظومة الإنذار على زمن استجابة قصير يتراوح بين 15 و90 ثانية حسب المنطقة، وهو زمن يفترض وجود ملجأ يمكن الوصول إليه. لكن ماذا يحدث حين لا يوجد هذا المكان؟
في البلدات الفلسطينية التي تفتقر إلى ملاجئ عامة أو غرف آمنة، يتحول الزمن إلى عدّ تنازلي بلا وجهة، وتصبح الصافرة تذكيراً بأن النظام يفترض وجود حماية غير موجودة فعلياً.
في التعريفات العملياتية، تُوصَّف مساحات واسعة من البلدات الفلسطينية باعتبارها «مناطق مفتوحة» أو منخفضة الكثافة من حيث الجاهزية المدنيّة. يبدو هذا توصيفاً تقنياً، لكنه في جوهره قرار سياسي مُقنّع.
حين تُصنَّف أحياء مأهولة ومكتظة كأنها فراغات، فإن هذا التصنيف لا يكتفي بوصف المكان، بل يعيد ترتيب أولويات الحماية داخله، إذ إن ما يُعتبر «مفتوحاً» لا يُستثمر فيه كما يجب، ولا يُحصَّن كما يجب.
تُقدَّم العلاقة بين الدولة وسكّانها عادة ضمن مفهوم «المواطنة»، بما يحمله من دلالات الانتماء والحقوق المتساوية. لكن في الحال الفلسطينية داخل إسرائيل، يبدو هذا المفهوم مضلِّلاً بقدر ما هو توصيفي. فالمسألة لا تتعلق فقط بحقوق قانونية، بل بطبيعة العلاقة نفسها؛ هل نحن أمام مواطنة بالمعنى السياسي الكامل، أم أمام مكانة قانونية مفروضة، أقرب إلى تجنيس قسري، لا تُترجم إلى حماية متساوية؟
في لحظة الصافرة، يتضح أن العلاقة ليست متكافئة؛ فهناك من تُترجم مكانته إلى بنية تحتية تحميه، وهناك من تُختزل علاقته بالدولة في تلقي التعليمات دون امتلاك أدوات تنفيذها.
في هذا السياق، أثار تقرير لمراسلة إسبانية تناول نقص الملاجئ في القرى الفلسطينية جدلاً واسعاً. لم يقدّم التقرير معطيات جديدة، بل أعاد عرض واقع قائم: بلدات بلا ملاجئ وسكان بلا حماية كافية.
لكن الرد لم يكن نقاشاً للوقائع، بل كان اتهاماً بـ«التضليل» ومحاولة سحب التقرير.
هذه الحادثة تكشف أن الفجوة ليست فقط في الواقع، بل في حدود الاعتراف به. وحين يصبح وصف النقص تهمة، فهذا يعني أن المشكلة لم تعد في المعطيات، بل في تداولها.
القضية ليست استثناء؛ فالمعطيات تشير إلى نمط متكرر يقوم على تخطيط حدّ من التوسع القانوني، وتوزيع غير متكافئ للموارد، وتأخر في إدخال معايير الحماية، إلى جانب إعادة تعريف لمناطق مأهولة باعتبارها مساحات هامشية.
هذه ليست أخطاء ولا حالات منفصلة، بل مكونات ضمن بنية واحدة تُنتج واقعاً يكون فيه الخطر مشتركاً، لكن القدرة على النجاة غير متساوية. وهذا الاختلال لا يمكن فصله عن السياق الأوسع الذي تُدار فيه العلاقة مع الفلسطينيين داخل إسرائيل، حيث لا يُنظر إليهم كجسم يجب تحصينه، بل كمساحة يمكن إدارتها.
إذا كان هذا الواقع نتيجة سياسات متراكمة، فإن تغييره لا يكون عبر توصيفه فقط، بل عبر تفكيك شروط إنتاجه.
على المستوى الداخلي، يفرض هذا الواقع الانتقال من موقع التلقي إلى الفعل، عبر تحويل مسألة الحماية إلى ملف قانوني ضاغط، وفرضها كحق غير قابل للتأجيل في المحاكم والمؤسسات، إلى جانب تنظيمها كقضية جماعية لا كحالات فردية متناثرة.
أمّا على المستوى الخارجي، فإن كسر احتكار الرواية لا يقل أهمية، عبر نقل هذه الفجوة إلى فضاءات دولية، وربطها بمعايير الحماية المدنية وحقوق الإنسان، ومنع اختزالها كـ«تفصيل داخلي» أو «نقص تقني».
فما يظهر في لحظة الصافرة ليس خللاً طارئاً، بل امتداداً لمنطق معروف، منطق يفصل بين من يُؤخذ وجوده بالحسبان، ومن يُدار وجوده على هامش الحساب.
* كاتبة من فلسطين