آخر الأخبار

جمجمتان ووجع واحد

cc0d0ab3-801f-49ab-8c70-945ed28f3e8e

ثائر أبو عياش

لم يكن يبحث عن «سبق صحافي» هذه المرة، بل كان هو السبق الذي كُتب بالدم ولحم الجمجمة؛ فالصحافي الفلسطيني مجاهد بني مفلح، لم ينشر عبر صفحته مجرد صورة لشخص عائد من الموت، بل نشر وثيقة إدانة بصرية صارخة تختزل فصول سجن إبادي يحوّل الأجساد إلى حطام.

وفي اللحظة المباغتة التي وقعت فيها عيناي على صورته الصادمة، اهتزت الأرض من تحت قدمي، وقفزت بغتة صورة شقيقي الراحل من خزان الذاكرة المترع بالوجع. تجمّد الكون لثوانٍ، وتداخلت الملامح؛ فرأيت في فجوة جمجمة مجاهد ذات الحفرة العميقة التي تركتها رصاصة الاحتلال في رأس شقيقي الشهيد مهدي، حين استقرت في جهته اليمنى لتجبر الجمجمة على أن تتقوقع على نفسها في مشهد يمزق الشغاف.

سبعة شهور وثمانية أيام كاملة، وأنا أراقب تلك الجمجمة الشقيقة وهي تقاوم الموت، حتى أصبحت هي الحكاية، وهي الاختصار المرير لمعنى الوجود تحت وطأة الاحتلال. إنها الصدمة التي تثبت أن الصورة أحياناً تكون أبلغ بآلاف المرات من كتل الكلام؛ فالخطوط المحفورة على العظم تنطق بما تعجز عنه الحروف، والجمجمة عندما تُهشم، تصبح هي البيان والمقال والقصيدة التي تفضح الجلاد دون حاجة لمترجم.

في تلك الصورة الصادمة لمجاهد، بدا واضحاً تضرر جزء من جمجمته، لتقدّم ملامحه دليلاً قاطعاً لا يقبل الشك على حجم التنكيل والانتهاكات الجسدية الممنهجة التي تعرض لها منذ لحظة اقتحام منزله في بلدة بيتا جنوبي نابلس في حزيران من عام ألفين وخمسة وعشرين، ونقله إلى سجن «منشة» التابع لمعسكر «سالم». 14 شهراً تلخص حكاية الوجع؛ ستة أشهر في عتمة الاعتقال الإداري الجائر، وثمانية أشهر أخرى في رحلة علاج مضنية وشاقة، كانت امتداداً طبيعياً لألم لم ينتهِ بفتح باب الزنزانة، بل استمر كمحاولة يومية بائسة ومستميتة لاستعادة ما سلبته أنياب السجان من جسد وروح هذا الشاب، تماماً كما كنا نحاول يوماً بعد يوم رتق ما مزقته الرصاصة في رأس أخي الشهيد، في معركة خاسرة ضد الموت والنسيان.

يتحدث مجاهد عن تلك التجربة المريرة بلغة تفيض بالقهر والكبرياء معاً، واصفاً ما جرى بكلمات تحفر في الصخر: «أيامٌ ثقيلة عشت فيها الجوع حتى صار الخبز حلماً، والعطش، حتى غدت جرعة الماء نعمة، ومررت فيها بأشكال من الإذلال والتعذيب تكفي لأن تغيّر ملامح الروح قبل الجسد». يكمل مجاهد حديثه الذي يتقاطع مع أنين شقيقي الراحل قائلاً: «هناك، بين الجدران الباردة والليالي الطويلة، تعلّمت كيف يمكن للجوع أن يكسر الكبرياء، وكيف يمكن للألم أن يجرّد الإنسان من كل شيء إلا إيمانه وصبره. رأيت الوقت متجمّداً، والدقائق تمضي كأنها سنوات، ورأيت كيف يكشف البلاء حقيقة الوجوه والمواقف؛ من بقي، ومن غاب، ومن كان حضوره مجرد وهم».
ثم يصف فصلاً آخر من فصول العذاب في رحلة الشفاء: «ثم جاءت رحلة العلاج الطويلة، كامتدادٍ لذلك الألم؛ وجعٌ فوق وجع، ومحاولة يومية لاستعادة ما سُلب من الجسد والروح».

ولم تكن الحرية التي تنفسها في كانون الثاني من عام 2026 نهاية للمأساة، بل كانت فخاً طبياً موقوتاً تتبدى فيه سادية السجان بأبشع صورها؛ إذ لم يمضِ على الإفراج عنه سوى يومين اثنين فقط، حتى انفجر جسده المثخن بالجراح بنزيف دماغي حاد ومفاجئ، نُقل على إثره إلى المستشفى بين الحياة والموت في حال صحية حرجة للغاية. هذه الهيئة الطبية المفزعة التي ظهر بها مجاهد، والتي جعلت نادي الأسير الفلسطيني يرفع الصوت عالياً، تختزل بالدليل الملموس المعنى الحقيقي لسياسة «السجن الإبادي» الإسرائيلي، الذي تحول رسمياً من مكان للاحتجاز إلى أداة سادية للقتل البطيء والمباشر بحق الأسرى، حيث يُفرغ المعتقل من عافيته ويُترك لمواجهة مضاعفات قاتلة تلاحقه حتى بعد الإفراج عنه، ليمتد الموت خلف القضبان ويلاحقهم إلى بيوتهم.

إن مأساة مجاهد بني مفلح ليست حالاً معزولة أو مجرد مصادفة، بل هي مرآة تعكس واقعاً مرعباً يعيشه آلاف الأسرى داخل المنظومة الممنهجة الإسرائيلية، وتتقاطع بعنف مع حكاية كل عائلة فلسطينية فُجعت بجمجمة ابنها أو شقيقها. فالمؤسسات المتخصصة تتابع يومياً مئات الحالات لأسرى محررين يخرجون إلى النور بأوضاع صحية ونفسية بالغة الخطورة، لكن الكثير من هذه القصص يظل طي الصمت والكتمان، ولا يجد طريقه إلى وسائل الإعلام بسبب حال الرعب والصدمة العميقة التي تسيطر على المحررين وعائلاتهم، خوفاً من بطش الاحتلال وإعادة اعتقالهم وتنكيلهم مجدداً إن هم تجرأوا وتحدثوا عن الفظائع التي مروا بها، مفضلين لعق جراحهم في عتمة بيوتهم.

لكن مجاهد، بوعي الصحافي وشجاعة الناجي التي ترفض الانكسار، اختار أن يكسر جدار الصمت ويجعل من جمجمته الناقصة بياناً صحافياً حياً يقرأه العالم أجمع، تماماً كما جعلت عائلتنا من حكاية جمجمة شقيقي المتقوقعة بياناً للوفاء والألم المقيم. لقد خرج مجاهد من هذه المحنة القاسية بدرس صاغه بدمه وعظامه، معلناً: «أربعة عشر شهراً كانت كفيلة بأن تعلّمني أن الصحة تاج، وأن الحرية حياة، وأن الكرامة ليست تفصيلاً صغيراً، بل هي روح الإنسان نفسها».

في النهاية، يظل الجلاد هو نفسه؛ ذلك القاتل الهائم في غيه، الذي أطلق الرصاصة لتستقر في الجهة اليمنى من رأس شقيقي، وهو نفسه الذي عذّب مجاهد ونكّل به حتى غُيّب جزء من جمجمته خلف القضبان. إنه جلاد واحد، يصنع الوجع ذاته، ويحفر الندوب نفسها في أجسادنا وفي قلوب أمهاتنا وعائلاتنا. لقد أراد هذا الجلاد بساديته الممنهجة أن يكسر وعينا، وأن يسحق إنسانيتنا، وأن يحولنا إلى مجرد أرقام مشوهة في طوابير الموت والاعتقال. لكنه في غفلته وغطرسته لا يعلم أن هذه الجماجم المحفورة والمتقوقعة على أوجاعها، ورغم الدماء والكسور والنقص، لن تكون يوماً دليلاً على انكسارنا. إنها قصة تختصر وجع الإنسان الفلسطيني الذي يعلن للجلاد أن الروح لا تُكسر، وأن كرامة الأحرار، كأرواح الشهداء، لا تقبل القسمة أو الهزيمة، وستبقى الجماجم المحفورة بالوجع منارات تشهد على الجريمة حتى ينقشع الظلام.

* كاتب فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة