أيهم السهلي
قبل أكثر من 8 سنوات، اشتهرت أغنية في العالم العربي، اسمها «إسا جاي» قدّمها على المسرح الموسيقي والمغنّي لاحقاً فرج سليمان، كانت الأغنية من كلمات الممثّل الفلسطيني عامر حليحل. بعدها بسنتين تقريباً صدر «ألبوم البيت التاني» لسليمان، وكانت كلمات كثير من أغانيه للكاتب والروائي مجد كيّال، وبعده ألبوم «أحلى من برلين». هذه الألبومات والأغاني جعلت فرج اسماً معروفاً في العالم العربي، وإحدى الشخصيات المحبّبة للشباب، وحفلاته تُحجز بالكامل بمجرد الإعلان عنها.
مثلهم الممثل الراحل محمد بكري وابنه صالح، أفلامهما تلقى متابعة شديدة في العالم العربي، واسماهما باتا مألوفين لناحية المحتوى الجميل الذي يقدّمانه. كذلك المخرج الفلسطيني ميشيل خليفي وإيليا سليمان وكمال جعفري، والموسيقي سيمون شاهين، والإخوة سمير ووسام وعدنان جبران الذين شكّلوا فرقة «الثلاثي جبران»، والمغنية سناء موسى، ودلال أبو آمنة، وأمل مرقص، وتيريز سليمان، والراحلة ريم بنا، والروائي إميل حبيبي وسلمان الناطور وعلاء حليحل، والشاعر مروان مخول وأسماء عزايزة، والكاتب علي مواسي. هذا عدا مفكرين وسياسيين كبار، بعضهم نشاهدهم يومياً عبر الشاشات كالدكتور مهند مصطفى وامطانس شحادة، ونقرأ لهم أيضاً كالدكتور عزمي بشارة، ورائف زريق، وعرين هواري، وعادل منّاع، وهمّت زعبي، ومحمود يزبك، وأنطوان شلحت، ورازي نابلسي، وأسماء أخرى ليس سهلاً حصرها.
من نافل القول، التذكير بأن الشعراء الذين سمّاهم الشهيد غسان كنفاني في كتابه الشهير «الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال: 1948 – 1968» هم الذين بقوا تحت الحكم العسكري الإسرائيلي، وهم الذين يتذكّرهم العالم العربي اليوم بأنهم شعراء فلسطين، ومنهم محمود درويش وسميح القاسم وراشد حسين وطه محمد علي وتوفيق زيّاد صاحب «أناديكم» التي يغنيها العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، بعد أن كان هذا العالم يخوّن أهل الداخل ويعتبرهم عملاء لإسرائيل، من دون التمحيص ومعرفة أوضاعهم. ولعل ذكر الشعر يذكّر أن فلسطينيّي الداخل رغم وجودهم في دولة معبرنة بالكامل، حافظوا على لغتهم العربية نقية وأصيلة من دون «عبرنتها»، وذلك لأن العربية تعبيرهم الصارخ عن هويتهم العربية.
هؤلاء وغيرهم ممن لا تتسع مساحة الكلمات هنا لذكرهم جميعاً، فلسطينيون من الأراضي المحتلة سنة 1948، يعرفهم العالم العربي كمبدعين فلسطينيين، وهم أمثلة عن عالم واسع من الفلسطينيين الذين لمّا تمسكوا بالبقاء في أرضهم، مكّنوا فلسطين من البقاء، ومكّنوها من الحفاظ على عروبتها وتاريخها.
وهم أبناء وأحفاد نحو 150 ألف فلسطيني بقوا في فلسطين بعد أن هجّرت العصابات الصهيونية خلال النكبة سنة 1948 معظم الشعب الفلسطيني من الأراضي التي أعلنت عليها لاحقاً دولة إسرائيل. فعاشوا حتى سنة 1966 تحت الحكم العسكري الإسرائيلي، تركّز وجودهم في الجليل والمثلّث والنقب، وقلة في بعض المدن التي بات يُطلق عليها اسم «المدن المختلطة» كحيفا ويافا واللد والرملة وعكا.
هذا الحكم العسكري، كان يهدف إلى تجريد الفلسطينيين من وجودهم، فهم ببقائهم شكّلوا أزمة للدولة الوليدة، فهي لم تنجح بأن تكون صافية على جزء من الأرض، ولاحقاً مع احتلال باقي فلسطين وبعض المناطق العربية سنة 1967، انتهى حلم النقاء على تلك الأرض.
هذا الحكم العسكري، كان يهدف إلى تجريد الفلسطينيين من وجودهم، فهم ببقائهم شكّلوا أزمة للدولة الوليدة، فهي لم تنجح بأن تكون صافية على جزء من الأرض، ولاحقاً مع احتلال باقي فلسطين وبعض المناطق العربية سنة 1967، انتهى حلم النقاء على تلك الأرض
حمل هؤلاء المواطنة الإسرائيلية، وعاشوا في أرضهم وبلادهم التي كانت بالأمس اسمها فلسطين ومحتلة من بريطانيا، لتمسي في اليوم التالي باسم جديد، مع ساكنين غرباء عن الأرض ومهاجرين إليها من كل الأصقاع، وقد تمكّنوا بدعم غربي من هزيمة الفلسطينيين والعرب في الحرب التي سميت حرب النكبة.
فعزلتهم إسرائيل عن أقرانهم الفلسطينيين في الضفة والقطاع، وعن محيطهم في العالم العربي. وخلال عيشهم مروا بظروف قاهرة، فارتكبت فيهم مجزرة كفر قاسم في 29 تشرين الأول سنة 1956، التي راح ضحيتها 49 فلسطينياً على الأقل، بناءً على أوامر عسكرية إسرائيلية عُرفت بكلمة «احصدوهم». وهم بصمودهم ومواجهتهم لمشاريع تصفية وجودهم أطلقوا يوم الأرض في 30 آذار 1976، ومشاركتهم شعبهم في الانتفاضتين.
بعض من بقوا، قبلوا الانخراط في صفوف جيش الاحتلال، بدءاً من تموز 1954، مع فرض الخدمة الإلزامية على الشباب العرب بموجب قانون، والتعديلات التي أجريت على القانون في أيار 1956، لتقتصر الخدمة على الشبان الدروز. لم يكن هذا القرار موضع قبول الجميع، باستثناء قلة، وأحد أبرز المعترضين على التجنيد الشيخ فرهود فرهود الذي أسّس سنة 1972 «لجنة المبادرة الدرزية» لتعزيز الهوية العربية في الأراضي المحتلة، ومع السنين بات يلتحق في الجيش الإسرائيلي بعض البدو، والشركس (خدمة إلزامية منذ 1956) وغيرهم. وهم مجتمعين نسبتُهم قليلة جداً نظراً إلى تعداد الجيش الإسرائيلي، والأهم من ذلك أنهم لا يعبّرون عن باقي مجتمعاتهم.
قاوم هذا التجنيد الإلزامي عدد كبير من الشبان الدروز، ولعل البعض يعرف حراكاً أطلقته النساء بعنوان «ارفض شعبك بيحميك» والتفّت حوله جماهير واسعة في داخل الداخل، كما استجاب له شباب كثر، رفضوا أن يكونوا جنوداً في وجه أبناء شعبهم الفلسطيني في الضفة وغزة، وفي وجه أهلهم في العالم العربي. وثمن مواقف الرافضين للخدمة السجن، وربما تدمير المستقبل. وعدا هذا الحراك، هناك مبادرات كثيرة أيضاً تعزّز انتماء الفلسطينيين في الداخل إلى أهلهم وشعبهم، كـ«لجنة المبادرة الدرزية» التي تأسّست سنة 1972، و«حركة المبادرة الدرزية»، و«ميثاق المعروفيين الأحرار».
الفلسطينيون الباقون في أرضهم المُقام عليها دولة إسرائيل، والسوريون في الجولان المحتل، قوة لا يستهان بها، بوسعها فعل الكثير، فمجرد بقائهم وتمسّكهم بهويتهم العربية، واعتراف العرب بهم بوصفهم فلسطينيين وسوريين من دون التشكيك في انتمائهم، يمنعون إسرائيل من التمدّد إلى اللانهاية، فهم من أبقوا فلسطين فلسطينية والجولان سورياً.
* كاتب فلسطيني