آخر الأخبار

حين يصبح الوعي جبهة قتال الشائعات والفراغ المعلوماتي… معركة فلسطين الأخرى…

de3aaa98-3a2d-4aa0-8a35-b4ce585c623f
بقلم :د. عبدالرحيم جاموس
في الحروب الكبرى، لا تكون الحقيقة أول الضحايا فحسب، بل قد تصبح أيضاً أهم ميادين القتال. فالحروب الحديثة لم تعد تُخاض بالصواريخ والطائرات وحدها، وإنما بالرواية والمعلومة والصورة، وبالقدرة على التأثير في وعي الشعوب وتوجيه إدراكها للأحداث. ومن هنا، تحولت الشائعة من خبر كاذب إلى سلاح استراتيجي في حروب العصر الرقمي، يستهدف كسر الإرادة وإرباك المجتمع وإضعاف ثقته بنفسه وبمؤسساته.
ولعل ما تشهده فلسطين، ولا سيما قطاع غزة، منذ اندلاع الحرب المدمرة، يقدم نموذجاً واضحاً لهذا النوع من الصراع. فإلى جانب آلة القتل والتدمير والحصار، تدور حرب أخرى لا تقل ضراوة، عنوانها التضليل الإعلامي، وصناعة الروايات، وإغراق الفضاء الرقمي بالأخبار المفبركة والتسريبات والمعلومات غير الموثقة، سعياً إلى تفكيك الجبهة الداخلية وإرباك الرأي العام.
إن أخطر ما يغذي الشائعات ليس الكذب وحده، وإنما الفراغ المعلوماتي. فحين تغيب المعلومة الدقيقة، أو تتأخر، أو تتناقض، تتقدم الإشاعة لتحتل مكانها، ويتحول الخوف والقلق إلى بيئة مثالية لتصديق كل ما يُتداول، مهما كان مصدره مجهولاً. وفي زمن الأزمات، لا يبحث الناس عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عن إجابة سريعة، وهنا تكمن خطورة الفراغ الذي تتركه المؤسسات عندما تتأخر عن مخاطبة جمهورها.
لقد أدركت إسرائيل منذ وقت مبكر أن الحرب النفسية جزء لا يتجزأ من الصراع، وأن كسر الثقة داخل المجتمع الفلسطيني قد يحقق من المكاسب ما لا تحققه القوة العسكرية وحدها. لذلك، لم تتوقف عن توظيف الإعلام، والتقنيات الرقمية، والحسابات الوهمية، والتسريبات المقصودة، لبث البلبلة، وإثارة الشكوك، وتعميق الانقسام، والتأثير في المزاج الشعبي الفلسطيني والعربي والدولي.
لكن من الإنصاف الاعتراف بأن نجاح أي حرب نفسية يظل مرتبطاً بمدى جاهزية المجتمع المستهدف. فكلما ضعفت الثقة، واتسع الانقسام، وغابت الشفافية، ازدادت قابلية الشائعات للانتشار. ومن هنا، فإن بعض ما يتداول في الفضاء الرقمي لا يصنعه الخصم وحده، بل تسهم في ترويجه، من حيث لا تدري، حالة الاستقطاب السياسي، والاستعجال في النشر، وضعف ثقافة التحقق، واللهاث وراء السبق الإعلامي.
واليوم، ومع احتدام النقاش حول مستقبل قطاع غزة، وإعادة الإعمار، وشكل الإدارة المقبلة، وتصاعد الضغوط الإقليمية والدولية، ستزداد محاولات التأثير في الوعي الفلسطيني عبر سيل من الأخبار والتسريبات والتحليلات المتناقضة. وستسعى أطراف متعددة إلى توجيه الرأي العام بما يخدم مصالحها، الأمر الذي يجعل من التحقق من المعلومات واجباً وطنياً، لا مجرد سلوك مهني.
إن مواجهة الشائعات لا تكون بالتخوين، ولا بحجب المعلومات، ولا بتكميم الأفواه، وإنما ببناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، وباعتماد الشفافية والإفصاح السريع، وتمكين الإعلام المهني من الوصول إلى الحقيقة ونقلها. فالمعلومة الصحيحة في وقتها تُسقط عشرات الشائعات، بينما يفتح الغموض الباب واسعاً أمام التضليل.
كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق المؤسسات الرسمية وحدها، بل تشمل وسائل الإعلام، والنخب السياسية والفكرية، والمؤثرين، وكل مستخدم لمنصات التواصل الاجتماعي. فإعادة نشر خبر غير موثق قد تبدو عملاً عابراً، لكنها في زمن الحرب قد تتحول إلى مساهمة غير مقصودة في معركة تستهدف وحدة المجتمع وصموده.
إن فلسطين، التي خاضت على مدى عقود معركة الدفاع عن الأرض والهوية والرواية، مطالبة اليوم بأن تخوض معركة لا تقل أهمية، هي معركة حماية الوعي الوطني. فالرواية الصادقة قوة، والحقيقة عنصر من عناصر الصمود، والثقة ركيزة من ركائز الأمن الوطني. وإذا كانت الجبهات تُحمى بالمقاومين، فإن الوعي لا يحميه إلا الصدق، والشفافية، والمسؤولية، واحترام عقل الإنسان.
وفي زمن تتسابق فيه الأكاذيب للوصول إلى الناس قبل الحقيقة، يصبح التثبت من الخبر موقفاً وطنياً، ويغدو الدفاع عن الحقيقة شكلاً من أشكال المقاومة. فالأوطان لا تسقط حين تُهدم مدنها، وإنما حين يُهزم وعي أبنائها. أما الشعب الذي يحمي وعيه كما يحمي أرضه، فإنه يمتلك القدرة على تجاوز المحن، وصون وحدته، والدفاع عن قضيته، مهما اشتدت التحديات.
د. عبد الرحيم جاموس

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة