آخر الأخبار

غسان كنفاني. أربعة وخمسون عامًا والفكرة لا تزال تقاوم

9dd0825b-5b9d-4562-9f9d-bd235ac1cdd3
أحمد مراد

في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد أيقونة الأدب الفلسطيني المقاوم غسان كنفاني، لا نستحضر مجرد كاتبٍ غاب جسده، بل نستحضر مشروعًا وطنيًا وثقافيًا ما زال حيًا في وجدان شعبنا، وصوتًا لم يخفت رغم مرور العقود. لقد كتب لفلسطين بمداد الوعي والالتزام، ومضى نحو المجد شهيدًا، مؤمنًا بأن الكلمة الصادقة بندقية، وأن الرواية جبهة مقاومة لا تقل أهمية عن ميادين الاشتباك.

في هذه اللحظة التاريخية العصيبة، وشعبنا يواجه حرب إبادة ومشاريع تصفية تستهدف وجوده وحقوقه الوطنية، تبدو خسارة غسان أكثر إيلامًا، لأن فلسطين أحوج ما تكون اليوم إلى عقله، ورؤيته، وإصراره على أن القضية ليست حكاية لاجئين، بل قضية شعب يناضل من أجل الحرية والعودة والكرامة. واليوم، بينما يحاول الاحتلال اقتلاع الإنسان الفلسطيني من أرضه وتاريخه ووعيه، نستشعر حجم الفقد الذي مثّله استشهاد غسان، ليس لأنه كاتب استثنائي فحسب، بل لأنه كان ضميرًا ثوريًا سبق زمنه، واستطاع أن يحوّل الأدب إلى سلاح، والكلمة إلى فعل مقاومة.

ولعل أكثر ما يدهش في فكر غسان كنفاني أنه لم يكتفِ بتشريح المشروع الصهيوني، بل قرأ مبكرًا أزمات الواقع العربي الرسمي، وكشف بعين المثقف الثوري مكامن العجز والتواطؤ والاستسلام. ففي رواية رجال في الشمس لم يكن أبو الخيزران مجرد شخصية روائية، بل كان رمزًا لواقع عربي مهزوم، فقد القدرة على الفعل، واستعاض عن المواجهة بالمساومات والوعود الفارغة. أما صرخته الخالدة: “لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟” فما زالت تتردد حتى اليوم في وجه نظام عربي رسمي يكتفي بمواقف العجز والصمت، فيما يتعرض شعبنا لأبشع حرب إبادة ومشاريع تصفية وتهجير. لقد أثبتت الأحداث أن غسان لم يكن يكتب رواية فحسب، بل كان يستشرف المستقبل، ويكشف أن الهزيمة تبدأ عندما يُقتل الفعل، ويُستبدل النضال بالانتظار، وأن الشعوب وحدها، لا الأنظمة المتهالكة، هي القادرة على صنع التاريخ. لذلك يبدو واقعنا العربي الراهن وكأنه امتداد مؤلم للمشهد الذي رسمه غسان قبل أكثر من نصف قرن.

كان غسان يؤمن بأن الإنسان لا يُقاس بما يقدمه لوطنه، ولذلك قال: “إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت، إنها قضية الباقين.” وهي كلمات تبدو اليوم وصيةً لكل من يحمل أمانة مواصلة الطريق. كما بقيت مقولته المتداولة “تسقط الأجساد ولا تسقط الفكرة” عنوانًا خالدًا لانتصار الفكر المقاوم على محاولات الاغتيال والإلغاء.

وفي روايته عائد إلى حيفا كتب: “الوطن هو ألا يحدث ذلك كله.” وهي عبارة تختصر معنى الانتماء الحقيقي، وتجعل من الوطن قضية كرامة ووجود لا يمكن التفريط بها. أما في أم سعد فقد جسّد الإنسان الفلسطيني المقاوم الذي يصنع من الألم قوة، ومن المخيم قلعةً للصمود، مؤكدًا أن الشعب هو صانع التاريخ وحارس القضية، وأن الأمهات الفلسطينيات كنّ وسيبقين المنبع الأول للمقاومة والتضحية.
إن الوفاء لغسان كنفاني لا يكون بالرثاء وحده، بل بالتمسك بالمبادئ التي استشهد من أجلها، والدفاع عن حق شعبنا في الحرية والعودة وتقرير المصير، ومواجهة كل مشاريع التصفية والإلغاء. ستبقى كلماته نبراسًا للأجيال، وسيبقى حضوره حيًا في كل مقاوم، وفي كل طفل فلسطيني يحلم بالعودة، لأن الشهداء يصنعون المجد، أما الأفكار العظيمة فلا تموت. كتب لفلسطين حتى آخر نبضة، ورحل جسدًا، لكنه بقي حاضرًا في الوعي الوطني، وفي كل بندقية تقاوم، وفي كل قلم يكتب الحقيقة، وفي كل فلسطيني يؤمن بأن الحرية تُنتزع ولا تُوهب، وأن فلسطين ستبقى البوصلة التي لا تنحرف، مهما اشتدت المؤامرات وتعاظمت التضحيات.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة