“مهمة تاريخية وروحانية”، عير عن الشعور بها رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، الذي أعلن عن ارتباطه عاطفيًّا بما تُسمى “إسرائيل الكبرى”، والتي تشمل الأراض الفلسطينية المحتلة، وأجزاء من الأردن ولبنان وسوريا ومصر.
تصريحات نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب في غزة- لم تكن تسريبات للقاء مغلق، أو وثائق سرية في أدراج صُناع القرار الإسرائيلي، ولكنها جاءت هذه المرة في لقاء علني على قناة تلفزيونية، كشف فيها بكل وضوح عن أطماعه التوسعية لكيانه الغاصب، حتى فيما يتعلق بدولٍ يعتبرها “صديقة لإسرائيل”، ويلتزم معها بمعاهدات واتفاقيات سلام، بالإضافة لعلاقات دبلوماسية واقتصادية واسعة.
وخلال مقابلة تلفزيونية مع قناة “i24” الإسرائيلية مساء الثلاثاء الماضي، أطلق نتنياهو، تصريحات مثيرة للجدل قال فيها: “إنني في مهمة تاريخية وروحانية ومرتبط عاطفيًّا برؤية إسرائيل الكبرى”، ليُثير بهذا التصريح ردود أفعال رسمية غاضبة، وموجة من التفاعل والنقاش على منصات التواصل الاجتماعي في العالم العربي.
حماس تطالب بموقف عربي
ودعت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الدول العربية إلى اتخاذ موقف واضح من تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن رؤية “إسرائيل الكبرى”، يشمل قطع العلاقات وسحب السفراء ووقف التطبيع.
ونددت الحركة، في بيان، بتلك التصريحات التي تتضمن السيطرة على أراض مصرية وأردنية وسورية وغيرها من الأراضي العربية، وقالت: هذه التصريحات تؤكد بوضوح خطورة هذا الكيان الفاشي على كل دول وشعوب المنطقة، ومخططاته التوسعية التي لا تستثني أي دولة.
وأضافت أن تلك التصريحات تستدعي مواقف عربية واضحة، وفي مقدمتها اتخاذ خطوات جادة لدعم صمود الفلسطينيين، وقطع العلاقات وسحب السفراء من هذا الكيان الفاشي، ووقف كل خطوات التطبيع المهينة، والتوحد خلف خيار مواجهة الاحتلال والتصدي لمخططاته.
كما طالبت حماس، المجتمع الدولي بإدانة تصريحات نتنياهو والتحرك للجم حكومته ووقف حربه الوحشية ضد المدنيين بغزة، والتصدي لطموحاته في توسيع عدوانه استجابة لنبوءات وأوهام فاشية، بما يهدد الأمن الإقليمي والدولي.
إدانات عربية
وردًّا على تصريحات نتنياهو أعربت كل من السعودية وقطر والأردن ومصر والجامعة العربية، أمس الأربعاء، عن إدانتها لها، ووصفتها بأنها اعتداء على سيادة دول عربية.
وقالت الخارجية السعودية، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية “واس”، إن المملكة تدين بأشد العبارات “التصريحات الصادرة عن رئيس وزراء حكومة الاحتلال الإسرائيلي حيال ما يسمى رؤية إسرائيل الكبرى”، وترفض رفضا تاما “الأفكار والمشاريع الاستيطانية والتوسعية التي تتبناها سلطات الاحتلال”، مؤكدة على “الحق التاريخي والقانوني للشعب الفلسطيني الشقيق بإقامة دولته المستقلة”، وحذرت المجتمع الدولي من “إمعان الاحتلال الإسرائيلي في الانتهاكات الصارخة، التي تقوض أسس الشرعية الدولية، وتعتدي بشكل سافر على سيادة الدول، وتهدد الأمن والسلم إقليميا وعالميا”.
كما أعربت دولة قطر عن “إدانتها واستنكارها لتصريحات نتنياهو، وفقا لبيان للخارجية القطرية، التي رأت أن هذا يعد “امتدادًا لنهج الاحتلال القائم على الغطرسة وتأجيج الأزمات والصراعات والتعدي السافر على سيادة الدول والقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية”، مؤكدة أن “الادعاءات الإسرائيلية الزائفة والتصريحات التحريضية العبثية لن تنتقص من الحقوق المشروعة للدول والشعوب العربية”، ومشددة على “ضرورة تضامن المجتمع الدولي لمواجهة هذه الاستفزازات التي تعرض المنطقة للمزيد من العنف والفوضى”.

تصعيد استفزازي
أما الخارجية الأردنية فوصفت تصريحات نتنياهو بأنها “تصعيد استفزازي خطير وتهديد لسيادة الدول ومخالفة للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”. وقال الناطق باسم الوزارة سفيان القضاة -في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الرسمية “بترا”- إن المملكة ترفض رفضا مطلقا هذه “التصريحات التحريضية”، مشددًا على أن “هذه الأوهام العبثية التي تعكسها تصريحات المسؤولين الإسرائيليين لن تنال من الأردن والدول العربية، ولا تنتقص من الحقوق المشروعة وغير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني”.
وأضاف أن “هذه التصريحات والممارسات تعكس الوضع المأزوم للحكومة الإسرائيلية، وتتزامن مع عزلتها دوليا في ظل استمرار عدوانها على غزة والضفة الغربية المحتلتين”، داعيًا إلى اتخاذ موقف دولي واضح لإدانة هذه التصريحات و”التحذير من عواقبها الوخيمة على أمن المنطقة واستقرارها ومحاسبة مطلقيها”.
ومن ناحيتها قالت الخارجية المصرية، في بيان إنها “تدين ما أثير ببعض وسائل الإعلام الإسرائيلية حول ما يسمى بإسرائيل الكبرى وطالبت بإيضاحات لذلك في ظل ما يعكسه هذا الأمر من إثارة لعدم الاستقرار وتوجه رافض لتبني خيار السلام بالمنطقة والإصرار على التصعيد”، مضيفة أن هذا التوجه “يتعارض مع تطلعات الأطراف الإقليمية والدولية المحبة للسلام والراغبة في تحقيق الأمن والاستقرار لجميع شعوب المنطقة”، وأنه “لا سبيل لتحقيق السلام إلا من خلال العودة إلى المفاوضات وإنهاء الحرب على غزة وصولا لإقامة دولة فلسطينية على خطوط الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية”.
وبدورها، أدانت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بأشد العبارات تصريحات نتنياهو “بشأن اقتطاع أجزاء من أقاليم دول عربية ذات سيادة، توطئة لإقامة ما سماه رؤية إسرائيل الكبرى”.
وقالت الأمانة العامة في بيان إن هذه التصريحات “بمثابة استباحة لسيادة دول عربية، ومحاولة لتقويض الأمن والاستقرار في المنطقة، وتمثل تهديدًا خطيرًا للأمن القومي العربي الجماعي، وتحديًا سافرًا للقانون الدولي ومبادئ الشرعية الدولية”، مضيفة أن تلك التصريحات “تعكس نوايا توسعية وعدوانية لا يمكن القبول بها أو التسامح معها، وتكشف العقلية المتطرفة الغارقة في أوهام استعمارية”.
ودعا البيان المجتمع الدولي -ممثلا في مجلس الأمن- إلى “الاضطلاع بمسؤوليته والتصدي بكل قوة لهذه التصريحات المتطرفة التي تزعزع الاستقرار وتزيد مستوى الكراهية والرفض الإقليمي لدولة الاحتلال”.
نكبة ثالثة
ومن جهته قال مساعد وزير الخارجية المصري السابق السفير حسين هريدي إن المنطقة تعيش حاليًّا المرحلة النهائية من مشروع “إسرائيل الكبرى”، مؤكدًا أن على الدول العربية اتخاد مواقف وطنية لمنع وقوع “نكبة ثالثة”، ستشمل طرد بعض العرب من بلادهم وليس الفلسطينيين فقط.
وفي مقابلة مع شبكة الجزيرة، أكد هريدي أن نتنياهو حاول من خلال تصريحاته الأخيرة إرضاء اليمين المتطرف، لكنه كشف في الوقت نفسه عن تماهيه مع مشروع الصهيونية العالمية، مضيفًا أنه (نتنياهو) مقتنع بفكرة إسرائيل الكبرى، وهو ما يعني إدخال البعد العقائدي في الحرب التي كان العرب يتعاملون معها منذ عامين بمنطلقات سياسية وأمنية.
وأكد هريدي أن على كافة الدول العربية -خصوصا المرتبطة معها باتفاقيات تطبيع- اتخاذ مواقف ترتقي لمسؤولياتها القومية، وإلا فسيكون على الشعوب دفع ثمن هذا التوسع، لأن هذا الكلام يعني الاستيلاء على الضفة الغربية والأردن وقطاع غزة وأجزاء من مصر ولبنان.
وأوضح أن عدم مواجهة هذا المشروع التوسعي يعني أن الدول العربية اختارت المضي قدمًا في الطريق التي اختارتها منذ عقود، والتي تقوم على التطبيع وتعزيز العلاقات مع إسرائيل، تماشيًا مع ما يريده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ووصف الدبلوماسي المصري السابق ما تحدث عنه نتنياهو بأنه “نكبة ثالثة”، بعد نكبة 1948 الأولى ونكبة غزة الثانية، لأن إسرائيل الكبرى تعني تهجير سكان بعض الدول العربية من أراضيها وليس الفلسطينيين فقط.
خطاب يميني متطرف
ويأتي حديث نتنياهو في ظل استمرار الخطاب الإسرائيلي حول ما يسمى “إسرائيل الكبرى”، حيث يروج معهد “التوراة والأرض” الإسرائيلي عبر موقعه الإلكتروني لمزاعم أن حدود إسرائيل التاريخية -بحسب رؤيته- تمتد من نهر الفرات شرقا إلى نهر النيل جنوبا، في إشارة واضحة إلى مشروع توسعي يتجاوز حدود فلسطين التاريخية ليشمل أجزاء واسعة من الأراضي العربية.
كما تزامنت تلك التصريحات مع استمرار حرب الإبادة والتجويع الإسرائيلية في قطاع غزة، وفي سياق خطاب متصاعد لليمين المتطرف الإسرائيلي يدعو إلى التوسع والضم وصولًا إلى إنشاء “إسرائيل الكبرى” التي تمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات، وفق معتقداتهم.
غضب جماهيري
وتفاعل آلاف من رواد المنصات الرقمية مع تصريحات نتنياهو، منتقدين سياساته وتحذيراته، حيث اعتبر العديد من المدونين أن حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي ليس مجرد تعبير عن مشاعر شخصية، بل هو إعلان صريح عن طموحات احتلالية تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة برمتها.
وأشار آخرون إلى أن هذا التصريح يتماهى مع سياسات إسرائيل على الأرض، لا سيما في ظل استمرار الاستيطان وعمليات الضم في الضفة الغربية، وقد أقر الكنيست الإسرائيلي سابقا قرارات تهدف إلى ضم المزيد من الأراضي الفلسطينية.
وتوقفت بعض التعليقات عند مواقف أطراف عربية تدعو إلى استسلام المقاومة الفلسطينية ونزع سلاحها، معتبرة أن هذه الدعوات تصب في مصلحة المشروع الإسرائيلي التوسعي، وتعزز فرص تمدده في المنطقة.
وحذر مدونون من خطورة التخلي عن المقاومة الفلسطينية، بوصفها خط الدفاع الأخير في وجه الأطماع الاستعمارية، مؤكدين أن انهيار المقاومة قد يتسبب في سقوط دول أخرى، ومشيدين بصمود المناضلين الذين أثبتوا قدرتهم على مواجهة الاحتلال رغم كل الظروف.
صفعة في وجه التطبيع
في المقابل، شدد ناشطون على أن تصريحات نتنياهو تمثل رسالة تهديد مباشرة إلى الدول العربية، و”صفعة” جديدة في وجه رعاة التطبيع ودعاته، وأيضا لأولئك المطالبين بنزع سلاح المقاومة، معتبرين أن نتنياهو كشف بوضوح عن نوايا إسرائيل الاستعمارية، ولم يعد هناك مجال للشك أو التبرير.
وتساءل آخرون بقوة: “هل تنتظرون أوضح من ذلك؟ إسرائيل تعلن مشروعها صراحة، فهل سيبقى الصمت سيد الموقف؟”.
وتستمر منصات التواصل الاجتماعي في تسجيل موجات متصاعدة من الغضب والاستنكار، بسبب المجازر التي ترتكبها إسرائيل بحق أهالي غزة، وسط دعوات لليقظة وإعادة النظر في سياسات بعض الحكومات العربية تجاه القضية الفلسطينية.
اقرأ المزيد عبر المركز الفلسطيني للإعلام:
https://palinfo.com/news/2025/08/14/967923/