في الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال محاولاته فرض واقع جديد على سكان مدينة غزة، من خلال التهديدات المتواصلة والوعود المضللة بتوفير “مناطق بديلة” للنزوح، يكشف الواقع الميداني صورة مغايرة تمامًا، جنوب القطاع ووسطه، اللذان يُروَّج لهما بعدّهما مساحات شاسعة قادرة على استيعاب المدنيين، يعيشان اليوم حالة اختناق غير مسبوقة، وسط أزمة مائية حادة وانعدام شبه كامل لمقومات الحياة الأساسية.
قصف متواصل ونزوح قسري
ومنذ 11 أغسطس، تتعرض مدينة غزة لقصف جوي ومدفعي إسرائيلي مكثف، يشمل تدميرًا منهجيًا للمباني وتجريفًا للطرقات، خاصة في الأحياء الشمالية والشمالية الغربية والشرقية والجنوبية.
هذا القصف دفع عشرات الآلاف من السكان إلى النزوح القسري، بحثًا عن أي ملاذ أقل خطرًا، غالبًا نحو المناطق الغربية ووسط المدينة، حيث يعيشون مأساة إنسانية مركّبة.
وفي 8 أغسطس الماضي، أعلن مكتب رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، موافقة المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) على خطة إجرامية تشمل “الاستعداد للسيطرة على مدينة غزة، مع ضمان تقديم المساعدات الإنسانية للسكان المدنيين خارج مناطق القتال”.
ووفق الإعلان، تتضمن الخطة خمسة مبادئ أساسية من بينها فرض السيطرة الأمنية الإسرائيلية على كامل قطاع غزة، وإنشاء إدارة مدنية بديلة لا تتبع لا “حماس” ولا السلطة الفلسطينية.
وبعد ثلاثة أيام بدأ الاحتلال التوغّل في أطراف حي الزيتون وحي الصبرة، حيث تحوّلت هذه الأحياء إلى مناطق مغلقة بالكامل، وسط قصف ونسف عنيف طال أكثر من 400 منزل ومجازر دامية.
وامتدت عمليات التدمير والعدوان لتشمل أيضا حي الصبرة جنوبا والشجاعية شرقا، إلى جانب القصف العنيف على منطقة الصفطاوي شمالا، فيما يتجمع النازحون في نطاق ضيق غرب المدينة ووسطها وجزء من شمالها.
الاحتلال يزعم أنّ ثمة بدائل متاحة، خصوصًا في مناطق المواصي بخان يونس، أو في مخيمات وسط قطاع غزة.
لكن شهادات السكان والمسؤولين تكشف أن هذه المناطق لم تعد قادرة على استقبال أي نازحين جدد، وأن الحديث عن “مساحات آمنة” ليس إلا جزءًا من رواية تضليلية تهدف لتبرير التهجير، والجريمة المتوقعة.
المواصي تختنق
مدير دائرة الإمداد في جهاز الدفاع المدني، محمد المغير، يؤكد أن الواقع على الأرض يناقض كليًا ادعاءات الاحتلال، فالمواصي، التي تعرف بـ”المنطقة الصفراء”، لم تعد تحتمل أي موجة نزوح إضافية، إذ أصبحت مكتظة بشكل خانق، وتفتقر لأبسط مقومات الحياة.
كما أن الاحتلال يسيطر عسكريًا على نحو 85% من مساحة الجنوب في القطاع، ما يجعل الحديث عن “مساحات فارغة” مجرد وهم.
في هذه المناطق، لا مياه كافية ولا خدمات صحية ولا شبكات صرف صحي أو نظافة عامة.
وفق تقارير أممية، بينما توصي المعايير الدولية بتوفير 20 لترًا من المياه يوميًا للفرد، بالكاد يحصل النازحون هناك على 3 أو 4 أكواب، وهي كمية لا تفي حتى بالاحتياجات الأساسية للشرب.
أزمات متتالية ومعاناة مضاعفة
المعاناة لا تقف عند حدود الاكتظاظ ونقص الخدمات، بل تمتد إلى النزوح المتكرر نفسه، فالعائلات الفلسطينية اضطرت للنزوح أكثر من 9 إلى 11 مرة في المتوسط منذ بداية العدوان، ما يستنزف ما تبقى من طاقاتها المادية والنفسية، ويضاعف من فقدانها لأبسط حقوقها الإنسانية.
بلدية خانيونس وبلدية دير البلح أكدتا بدورهما أن لا مجال لاستيعاب أي نازحين جدد، فالبنى التحتية منهكة تمامًا، ومصادر المياه محدودة للغاية، والخدمات الصحية تكاد تكون معدومة.
رئيس بلدية دير البلح، نزار عياش، شدد على أن مدينته لم يعد فيها “شبر واحد فارغ” يصلح لنصب خيمة جديدة، بينما يتعرض شرق المدينة لعمليات عسكرية متواصلة تجعل المنطقة غير آمنة بالمطلق.
كما أن الصور الجوية وخيام النازحين المتكدسة على الطرقات توثق حجم الكارثة، وتفضح زيف الادعاءات الإسرائيلية عن وجود “مربعات آمنة”.
يقول صحفيون أن كثيرا من المناطق التي يروج لها الاحتلال كمناطق بديلة للنزوح، ما هي إلا أراضٍ مدمرة أو مكبات نفايات، لا تصلح للحياة بأي شكل من الأشكال.
النزوح.. حلم بعيد المنال
كما أن النزوح بالنسبة للكثير من العائلات في غزة ليس خيارًا، بل حلم بعيد المنال، فالتكاليف الباهظة تجعل “النجاة” رفاهية لا يملكها سوى القلة.
وفق شهادات ميدانية، تكلفة الانتقال من مدينة غزة إلى الجنوب تصل إلى 12,500 شيكل (أكثر من 3,300 دولار) للعائلة الواحدة.
الخيمة وحدها قد تصل كلفتها إلى 5,000 شيكل، بينما المواصلات تتجاوز 2,000 شيكل، وقد ترتفع إلى ألف دولار للأسرة الواحدة.
تضاف إلى ذلك تكاليف المياه الصالحة للشرب، والمراحيض المؤقتة، والمواد الأساسية التي تتضاعف أسعارها يوميًا.
كل هذا يأتي في ظل فقر مدقع يعانيه 90٪ من السكان، وسط فقدان الوظائف والأعمال والدمار الهائل في الممتلكات والمنشآت المختلفة.
إحدى الأمهات، أم أحمد يونس، تقول لمراسل المركز الفلسطيني للإعلام: “لم نكن نتصور أن مجرد الانتقال لمكان أكثر أمانًا يحتاج آلاف الدولارات، لم يعد لدينا بيت ولا أثاث ولا حتى ملابس كافية، فكيف لنا أن ندفع هذا المبلغ؟ النزوح اليوم حلم بعيد، ليس للفقراء مكان سوى الركام”.
مأساة إنسانية شاملة
الوضع يتجاوز الأرقام الجامدة، فحتى لو توفرت الأموال، فإن وسائل النقل نادرة للغاية. الحصول على عربة يجرها حيوان أو “توك توك” قد يكلف أكثر من ألف دولار، وغالبًا ما يقضي الناس ساعات طويلة في البحث عن وسيلة نقل دون جدوى.
المعضلة التي يواجهها سكان غزة اليوم قاسية:البقاء يعني مواجهة القصف والخطر المستمر، أو الرحيل يعني الانزلاق إلى واقع أشد قسوة، حيث لا ماء ولا مأوى، ولا أمان، ولا أفق.
ويؤكد سكان غزة أن هذا ليس مجرد نزوح داخلي عابر، بل تهجير قسري ممنهج يضاعف من حجم المأساة الإنسانية، ويكشف عن سياسة خنق جماعي تستهدف كل مقومات الحياة.