محمد منذر
إنّ ما نشهده اليوم من استباحة كاملة للخرائط والحدود، بدءاً من القصف المنهجي وحصار إيران، مروراً بالتوغّل الإسرائيلي في سوريا، وصولاً إلى البلطجة الدولية ضد دول ذات سيادة واختطاف القرارات السياسية واقتياد رئيس مغلول الأيدي كما حدث في فنزويلا، لا يمكن قراءته فقط من منظور التفوّق العسكري؛ نحن أمام تطبيق حرفيّ ومرعب لأعقد نظريات السيطرة النفسية والاجتماعية. إذ تسعى قوى الهيمنة، بقيادة الثنائي ترامب ونتنياهو، في إعادة صياغة النفسيّة العالمية لتقبّل «الخضوع» كخيار وحيد وعقلاني، وتحويل «المقاومة» إلى ضرب من ضروب الجنون أو الانتحار الجماعي.
الفيل المقيّد
إنّ المدخل الرئيسي لفهم هذه الحالة من الشلل التي تضرب المنطقة والعالم يكمنُ في الغوص عميقاً في النظرية النفسية المعروفة بـ«العجز المكتسب». هذه النظرية، التي تشرح كيف يستسلم الفيل الضخم لقيدٍ وهمي أو حبل صغير لا يقطعه رغم قدرته على فعل ذلك، إلا أنه لا يقطعه، ليس لأنه لا يملك القوة الجسدية لفعل لذلك، بل لأنه «تعلّم» واقتنع عبر تجارب الفشل المتكررة بأن المحاولة عبث، وأن الألم حتميّ مهما فعل. هذا التكتيك يطبَّق اليوم بحذافيره على الشعوب عبر سلسلة من «الصدمات» المدروسة والمكثفة؛ فالحروب لم تعد تهدف فقط إلى تدمير الأهداف العسكرية، بل إلى كسر الرابط الذهني بين «الفعل» و«النتيجة»، وتدمير «القدرة على تخيّل الانتصار» حتّى، ومحو الشعور بالأمان.
الثقة الوجودية
ولعل النموذج الأكثر فجاجةً ورعباً لهذا التطبيق هو ما شهدناه أخيراً في غزّة ولبنان؛ فعملية «طحن» البنية التحتية لحماس وحزب الله لم تكن مجرد عمل عسكري، بل كانت تطبيقاً لعقيدة «الصدمة والترويع» لزرع هذا العجز. إنّ الاختراق التكنولوجي المرعب في «عملية البايجرز»، التي حوّلت أجهزة الاتصال الشخصيّة الآمنة إلى قنابل موقوتة في جيوب الآلاف، كان يهدف إلى ضرب «الثقة الوجودية» التي تتجاوز مجرد «الشعور بالأمان» العادي وهي الحد الأدنى من اليقين الذي يحتاجه الإنسان ليعيش حياته الطبيعية دون أن يصاب بالجنون، وإلى زرع الشك في كل شيء، ليقولوا للمجتمع الحاضن: «لا مكان آمناً، ونحن آلهة التكنولوجيا الذين نصل إليكم في غرف نومكم، فلا جدوى من الاختباء».
وتوِّجت هذه الساديّة باستخدام القوة المفرطة في اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصرالله، حيث لم يكتفوا بالاستهداف الدقيق، بل استخدموا عشرات الأطنان من المتفجرات لمحو مربعات سكنية كاملة، في رسالة ترهيب واضحة تتجاوز الشخص المستهدف لتصل إلى «كيّ وعي» كل مَن يفكّر بالمواجهة، مفادها أن الثمن سيكون ماحقاً وأن الرموز التي تعتقدون أنها تحميكم يمكن سحقها بلمح البصر، مما يدفع العقل الجمعيّ إلى الاستسلام لفكرة أن المقاومة مستحيلة والاقتناع بأن «العالم أصبح مكاناً مرعباً جدّاً لا يمكنني العيش فيه إلا إذا استسلمت كلياً لمَن يملك مفاتيح هذا الرعب».
الحروب لم تعد تهدف فقط إلى تدمير الأهداف العسكرية، بل إلى كسر الرابط الذهني بين «الفعل» و«النتيجة»، وتدمير «القدرة على تخيّل الانتصار» حتّى، ومحو الشعور بالأمان