بقلم : د.عبدالرحيم جاموس
لم تكن سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخارجية مجرد تحوّل في الخطاب أو الأسلوب الدبلوماسي، بل مثّلت نهجًا سياسيًا متكاملًا مسّ الأسس القانونية والسياسية للنظام الدولي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية بموجب ميثاق الأمم المتحدة. فهذا النظام لم يُبنَ على توازنات القوة وحدها، بل على منظومة قواعد هدفت إلى ضبط استخدام القوة، واحترام سيادة الدول، وتعزيز العمل الجماعي متعدد الأطراف.
غير أن سياسات ترامب أفضت إلى إضعاف ممنهج لهذه القواعد، وإلى إعادة تعريف العلاقات الدولية باعتبارها علاقات نفعية تحكمها الصفقات والتهديدات، لا الالتزامات القانونية والشرعية الدولية.
التهديد باستخدام القوة وتآكل الحظر القانوني
اعتمد ترامب خطاب التهديد العلني أداةً مركزية في سياسته الخارجية، سواء تجاه خصوم الولايات المتحدة أو حلفائها.
وقد تجلّى ذلك في تهديداته المتكررة باستخدام القوة، وربطه التزامات واشنطن الأمنية بمقابل مالي مباشر، في سلوك غير مسبوق في العلاقات الدولية الحديثة.
يتعارض هذا النهج صراحة مع المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها في العلاقات الدولية.
والخطورة لا تكمن في التهديد بحد ذاته فحسب، بل في تطبيعه سياسيًا، بما يؤدي إلى تفريغ هذا الحظر من مضمونه الإلزامي، وإضعاف الردع القانوني الجماعي الذي قام عليه النظام الدولي.
اعتقال مادورو كنموذج دال ، في هذا السياق، يندرج اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو – وفق الرواية الأميركية – بوصفه نموذجًا كاشفًا لهذا النهج، لا باعتباره محور المقال. فالقانون الدولي العام، والعرف الدولي المستقر، يمنحان رؤساء الدول أثناء توليهم مناصبهم حصانة شخصية كاملة تحول دون ملاحقتهم أو اعتقالهم من قبل دول أخرى، إلا عبر محكمة دولية مختصة أو بتفويض صريح من مجلس الأمن.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية هذا المبدأ في حكمها الصادر عام 2002، معتبرة أن إصدار مذكرات توقيف وطنية بحق مسؤولين سياديين لدول أخرى يُشكّل انتهاكًا للقانون الدولي.
وعليه، فإن أي إجراء أحادي الجانب بحق رئيس دولة يُعد مساسًا مباشرًا بمبدأ السيادة وعدم التدخل المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، ويُسهم في تسييس العدالة الدولية وتقويض مشروعيتها.
تسييس العدالة الدولية وتقويض المساواة السيادية
من أخطر نتائج هذا النهج تحويل مفاهيم المحاسبة والعدالة الدولية إلى أدوات ضغط سياسي، تُستخدم بمعايير انتقائية، فتُفعَّل ضد الخصوم وتُعطَّل أمام الحلفاء.
وهو ما يقوّض مبدأ المساواة السيادية بين الدول، ويفرغ الخطاب الحقوقي من مضمونه القانوني والأخلاقي.
غرينلاند والناتو تفكك المحظورات القانونية …
طرح ترامب فكرة ضم جزيرة غرينلاند، ولو بصيغة “الشراء”، يصطدم مع مبدأ راسخ في القانون الدولي الحديث، هو حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة أو الإكراه، ومع حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو من القواعد الآمرة التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها.
كما أن ربط التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن حلفائها في حلف شمال الأطلسي بالدفع المالي يُفرغ مفهوم الأمن الجماعي من مضمونه، ويقوّض إحدى أهم آليات منع النزاعات المسلحة، التي تشكّل امتدادًا عمليًا لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة في حفظ السلم والأمن الدوليين.
شلل النظام الدولي لا انهياره الفوري …
سياسيًا وقانونيًا، لا يعني هذا المسار انهيارًا فوريًا للنظام الدولي، بل إدخاله في حالة شلل بنيوي، حيث تبقى القواعد قائمة نظريًا، لكنها تفقد فعاليتها العملية، وتُشلّ المؤسسات الدولية عن أداء وظائفها، في مقابل تصاعد دور القوة والهيمنة الأحادية.
هذا الشلل يفتح المجال أمام قوى دولية أخرى لاعتماد السلوك ذاته، ما يهدد بتعميم الفوضى القانونية، وتقويض ما تبقى من نظام دولي قائم على القواعد.
فلسطين في قلب الأزمة …
في هذا السياق، لا تبدو القضية الفلسطينية استثناءً، بل تمثّل التجسيد الأوضح لشلل النظام الدولي.
فقد شكّلت سياسات ترامب، ولا سيما الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتجاهل قرارات الشرعية الدولية، نموذجًا صارخًا لاستخدام القوة السياسية لفرض وقائع غير قانونية، دون أي مساءلة دولية فعّالة.
إن استمرار هذا النهج لا يعني فقط إضعاف النظام الدولي، بل تعطيل قدرته على حماية حقوق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، وتحويل القانون الدولي من أداة إنصاف إلى منظومة انتقائية تُطبَّق حيث تسمح موازين القوة وتُعلَّق حيث تعترضها.
خلاصة القول :
إن سياسات ترامب الخارجية تمثل انتقالًا واضحًا من نظام دولي قائم على القواعد القانونية إلى نظام يقوم على الإكراه الأحادي وتسييس القانون.
واعتقال مادورو، والتهديد بضم أراضٍ، وتقويض التحالفات الدولية، ليست سوى نماذج تطبيقية لمسار واحد أدخل النظام الدولي في حالة شلل قانوني وسياسي، قد تفضي، إن استمر، إلى تآكل بنيته وفقدان شرعيته ووظيفته في حفظ السلم والأمن الدوليين.