أيهم السهلي
باتت قصة السفير الفلسطيني السابق لدى لبنان مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، هزلية، ومُبكية، ومؤلمة، ومُهينة، وتنتقص من كرامة الشعب الفلسطيني ككل، واللاجئين في لبنان تحديداً.
تتهم السلطة ورئيسها عباس، ومن حوله، بمن فيهم ابنه ياسر، أشرف دبور بملفات مالية تتعلق بجرائم الاختلاس وتبييض الأموال. وبحسب ما يرد من أخبار، فإن النيابة العامة التمييزية في لبنان تلقّت مذكّرة توقيف دولية صادرة عن «الإنتربول» بحق السفير الفلسطيني السابق أشرف دبور. وتطلب هذه المذكّرة توقيف دبور في حال وجوده على الأراضي اللبنانية وتسليمه للسلطات الفلسطينية.
يحاول بعض الناس، وفق هواهم، اجتزاء الموضوع. فالبعض يردّه إلى تموز الماضي، لمّا قرّر عباس إنهاء مهام دبور كسفير في لبنان؛ والبعض يردّه إلى اللحظة التي فتح فيها على صفحته في «فيسبوك» قضية عقارات منظمة التحرير، واتهامه لشخصيات، لم يحدّدها، بخيانة الأمانة، وبيع هذه العقارات و«الترزّق» منها، وعرضها عليه رشاوى بمبالغ كبيرة، فحلّ الغضب عليه، وقضي أمره؛ وهناك بعض يرجع بالأمر إلى ما بعد زيارة عباس إلى لبنان في أيار الماضي، والاتفاق مع السلطات اللبنانية على خطة لنزع السلاح من المخيمات، و«التمرّد» الذي قام به على قيادته، ومحاولته حشد «الفتحاويين» حوله، وإخراجهم بتظاهرات تأييد له في المخيمات. لم يخرج فيها أحد، وكلّ الذين كان معتمداً عليهم، باعوه في ليلة مقمرة.
القصة وما فيها، وبعيداً عن تفاصيل ما يحدث، هي الفساد، ليس الفساد المالي، ولا السرقات، ولا النهب. بل فساد المشروع، فالرجل الذي عيّنه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس عام 2012، كان مُدلّلاً، حتى «غلط». لكنّ هذه الأخيرة، لها قصصها، فدبور، صدّق من حوله، صدّق الكثير من الكذب والتوهيم اللذين كانا يُكالان عليه، من جماعته، ومن «مريديه» الذين كانوا مستفيدين من موقعه، برواتبهم وميزاتهم، وهؤلاء في معظمهم باعوه، بعد أن احترقت أخشاب زورقه المكسورة.
وبعد أن صدّقهم، ظنّ أن بوسعه تحدّي الجميع، حتى قيادته، ورئيسها، الذي كان يخوّن و«يدحلن» كل من ينتقدها أو ينتقده. وظن أن «فتح» في لبنان ستلتفّ حوله، وتعلن التمرد معه. وربما كان يعوّل على أكاذيب كان يسمعها، بأن الناس يحبونه حباً كبيراً، ولا يفكرون بسواه، ويهوونه، ويرونه ياسر عرفات! لكن الحقيقة، أن أشرف دبور، رجل طيب، لم يحسن التدبير، استغلّ سلطته، واستولى على مفاصل العمل الفلسطينية كلها في لبنان، التابعة لفتح والمنظمة والسلطة، بعض هذه الأمور رسمية، وبعضها الآخر، بما ظنّها سلطته، وسطوته.
ومع السنين، لم يعد لكثير من الشخصيات المعروفة والمحترمة في المخيمات، أي دور، بالاسم فقط مسؤولة عن الملف الفلاني، لكن في الحقيقة، الملفات مرجعيتها عند السفير، أو عند من يهمس في أذن السفير. والناس الذين افترض سعادة السفير السابق أن يلتفوا حوله، لم يتغير على حياتهم شيء في مخيماتهم. ظلّ الفسدةُ فسدةً، وظلّت تجارة المخدّرات موجودة، بل وتلقى حماية ورعاية، ممتازتين أحياناً! وظل السلاح المتفلّت متفلّتاً، و«الأمن الوطني» يحتاج إلى أمن.
تولى دبور أيضاً، نائب المشرف العام على الساحة اللبنانية، المنصب الذي كان يتولاه عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عزام الأحمد. فضلاً عن منصبه كنائب لمفوّض الأقاليم الخارجية في حركة فتح الذي يتولاه عضو اللجنة المركزية في الحركة، والسفير الفلسطيني في سوريا الدكتور سمير الرفاعي.
هذه المناصب مجتمعة، عيّنته فيها القيادة الفلسطينية في رام الله، بدءاً من الرئيس، ونزولاً إلى كل مسؤول فلسطيني معنيّ بالساحة اللبنانية، من دون استثناء. ومعلوم جداً أن أكثر من رسالة شكوى أُرسلت من «فتحاويين» في لبنان إلى قيادتهم «الفتحاوية» في رام الله، وإلى الرئاسة في رام الله، وفي أفضل الأحوال، كانت الأمور تنتهي باتصال هاتفي، لتطييب الخواطر ليس إلا! من دون الخوض في التفاصيل أو الاهتمام، للتحرّي على الأقل في ما لو كانت شكوى أبناء الحركة حقيقية وصحيحة، تحديداً وأن كوادر مهمة أجلسها أشرف بصفة ما من صفاته في البيت.
كل ما سبق من أجل الذهاب إلى نقطة واحدة أساسية، هي أن الاتهامات الحالية من دبور لشخصيات فلسطينية مسؤولة بالفساد وسرقة مال الشعب الفلسطيني، ومن السلطة التي تتهم دبور بالفساد المالي، هي أمور كانت موجودة ومعروفة لدى الجميع من قبل. بيع العقارات ليس جديداً، والقصة عمرها سنوات، ومستمرة، وإن كان دبور حقاً صادق النوايا، كان عليه أن يعلن عن هذا الفساد وهو على رأس عمله، ويتحمل كل المسؤولية عن ذلك، ولن يوصف بعدها إلا بالشجاع، وربما كان سيجد من يلتفّ حوله بصدق. أمّا السلطة واتهاماتها له، فهي كانت تعرف عنه كل ذلك، فهو سفيرها، تعرف صلاته، وتعرف ما إذا كان يبيّض الأموال، أو يختلس. فهي لم تعرف اليوم، بل تعرف من الأمس، وتعرف كل شركائه في الوطن والشتات، لكن متى سيأتي الدور على الجميع، هذا بعلم الزمن السياسي الذي يتغيّر، ويغيّر معه كل شيء.
* كاتب فلسطيني