أسعد أبو خليل
حربُ الإسناد: هل كانت نصراً أم هزيمةً؟ (2)
يروي المرافق الشخصي لياسر عرفات، محمد الداية، أنّه في أحد اللّقاءات التفاوضيّة مع العدوّ في واشنطن أبدى أرييل شارون تكبّراً وفظاظةً في التعامل مع ياسر عرفات. شرحَ عرفات لمرافقه الأمين السبب، قال له: لا تنسَ أنّني هزمتُ هذا الجنرال في بيروت. وكان عرفات يقول عن نفسه إنّه جنرال. وكان عندما يلتقي بشارون في المفاوضات يقول له: نحن نتخاطب جنرالاً مقابل جنرال. عرفات صدّقَ مزاعمه وأكاذيبه ومبالغاته وعاد ذلك على الحركة الوطنية الفلسطينيّة بالوبال الشديد. سخِرَ عصام السرطاوي من عرفات يومها (عن نصر 1982) وقال: نصرٌ آخر ويصبح المنفى الفلسطيني في «فيجي» وليس في تونس. المكابرة هي العنوان.
لكنّ مراجعة تاريخ حركات التحرّر تشير إلى أهمية المصارحة والصِّدق من أجل النهوض وإعادة البناء. أميلكار كابرال، الذي ناضل ضدّ الاستعمار البرتغالي في أفريقيا، نصحَ في كتاب له بالتالي: «لا تُخفِ شيئاً عن جماهير شعبنا. لا تكذبْ. افضحِ الأكاذيب عندما ترِد. لا تُخفِ الصعوبات والأخطاء والتعثّرات. ولا تعلنِ انتصارات سهلة».
كان فون جون جياب وهو شي منه، على قدر كبير من الصِّدق والصِّدقيّة والاعتراف النادر بالهزائم والفشل. كانت القيادة الفيتناميّة تتعامل مع السقطات على أنّها دروس ولا يجب أن تُغلَّف ببريق. وبعد عددٍ من الإخفاقات في الانتفاضة في 1940-1941 اعترف هو شي منه بارتكاب أخطاء. والجنرال جياب كان صريحاً حول كارثة «روت كولونيال» في 1949. وفي سنوات النضال اللّاحقة، اعترفت حركة الـ«فيت كونغ» (داخليّاً وحتى علناً في ما بعد) بخسائرها الكبيرة خلال «هجوم تيت» في عام 1968. رأى المناضلون الفيتناميّون أنّ المصداقيّة بين المزارعين وكوادر الحزب تتفوّق في الأهميّة على بطولات دعائيّة.
ونضال جبهة التحرير الجزائريّة كان مختلفاً تماماً في الإعلان والبيانات عن نضال منظّمة التحرير التي لم يتحرّك فدائي واحد منها إلّا وأصاب مَقتلاً في العشرات من جنود العدوّ وضبّاطه (كان ريمون إدّه يسخر من المقاومة الفلسطينيّة ويقول: أصدّق هذه المزاعم لو تأتوني يوماً ما بزرّ من بزّة عسكريّة لجندي إسرائيلي. الذي زار متحف مليتا يعلم أنّ مقاومة الحزب جلبت عشرات البزّات وغنمت أسلحة ومعدّات في قتالها مع العدوّ). كانت إعلانات جبهة التحرير الجزائريّة مُقلّة وحريصة، والبيانات الداخليّة درجت على نشْر النقد الذاتي.
واعترف القادة بضعف كبير في التنسيق في 1954-1956، كما إنّ الجبهة اعترفت بخسائر كبيرة خلال الحملة المضادّة للثورة التي شنّها الفرنسيّون في 1957-1958. وكتابات بن بلّة وبلقاسم كانت متحفّظة في سرْد بطولات. كانت المصداقيّة مع المدنيّين والخصوم هاجساً عند الجبهة الجزائريّة. أمّا في الحالة الصينيّة، فإنّ ماو تسي تونغ هو الذي أسّس ممارسة تنظيميّة فعليّة لـ«النقد والنقد الذاتي». واعترف علناً بكوارث عسكريّة قبل المسيرة الطويلة واعترف بأخطاء في المواجهات المُبكِّرة مع قوات تشين كاي تشيك. أدبيّات الحزب الداخليّة أشارت إلى ذلك بصراحة انعدمت في حالة منظّمة التحرير.
الحالة الكوبيّة كانت الأكثر شفافيّة في النضال الثوري. فيديل كاسترو قالها علناً: إنّ إنزال «غرانما» كان كارثياً، وإذاعة الثوار اعترفت بإصابات بالغة في المرحلة الأولى من القتال في سييرا مايسترا. ومذكّرات تشي غيفارا ذكرت ذلك. وعلى عكس منظّمة التحرير (بكلّ فصائلها حتى لا نخصّص حركة «فتح» المعروفة بالمبالغات والمكابرة) فإنّ الجناح العسكري للمؤتمر الوطني الأفريقي كان يعلن فشل عمليّات تفجير (لا أذكر حالة واحدة مماثلة في سجلّ فصائل المقاومة الفلسطينيّة).
ولا ننسى أنّ «لجنة الحقيقة والمصالحة» التي تشكّلت بعد انهيار نظام الفصل العنصري، احتفظت بنمط الشفافية والمصارحة الذي كرّسه المؤتمر الوطني الأفريقي تحت قيادة نلسون مانديلا. وعلى النمط نفسه، عمدَ الجيش الجمهوري الإيرلندي إلى مصارحة جمهوره بالحقائق لأنّه كان يخشى من تناقض في المزاعم بين إعلاناته ومضامين إعلام بريطانيا. حتى أنّ حركة «سن فنّ» اعترفت في ما بعد أنّ الكفاح المسلّح وحده لم يكن كافياً.
حزب الله حالة خاصّة لأنّ الحزب استخلص الدروس من تجارب الحركة الوطنيّة والمقاومة الفلسطينيّة. حتى البيان التأسيسي لجبهة المقاومة الوطنيّة (جمّول) تضمّن نَفَساً انتصاريّاً مفرطاً وكلاماً عن دروس لم ينسها العدوّ (في الوقت الذي انهارت فيه القوات المشتركة في الجنوب) كما إنّ البيان تحدّث عن «جريمة اغتيال المرحوم الشيخ بشير الجميّل». الحزب تجربة مختلفة لأنّه لم يكن يهتم حتى بنَسْب عمليّات لنفسه، واستعمل أسماء تمويهيّة لتضليل العدوّ وعملائه المنتشرين. هذه التجربة في السرّية الفائقة هي التي حمت الحزب وأهّلته للانطلاق والصعود الكبير.
في سنوات النضال اللّاحقة، اعترفت حركة الـ«فيت كونغ» (داخليّاً وحتى علناً في ما بعد) بخسائرها الكبيرة خلال «هجوم تيت» في عام 1968. رأى المناضلون الفيتناميّون أنّ المصداقيّة بين المزارعين وكوادر الحزب تتفوّق في الأهميّة على بطولات دعائيّة