آخر الأخبار

الثقافة السياسية في الساحة الفلسطينية: سمك- لبن- تمر هندي

WhatsApp-Image-2025-11-14-at-8.16.23-AM-rftjb16sa9rrta4p70f1puv7upr8hw9ahwj4lkuv00-rhgmitu56xqle9pcz1scz7nnj1ouvcqlwp8mnr8ay8

حمزة البشتاوي

تشهد الساحة الفلسطينية تراجعاً كبيراً على مستوى الثقافة السياسية، وهي لم تعُد مسألة نخبوية أو ترفاً فكرياً، بل ضرورة لحماية المشروع الوطني، وسط تراجع أداء الفصائل الفلسطينية التي تعاملت مع الثقافة الوطنية كمساحة للتعبئة، وليس للوعي والتفكير، وسط سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي التي أسهمت في زيادة السطحية والتشتيت.

الثقافة الوطنية الفلسطينية تعرف بوصفها حاملة الرواية الفلسطينية، وأداة مقاومة بمواجهة الاحتلال الإسرائيلي. وتراجع الاهتمام بها، جعل المشهد السياسي الفلسطيني عبارة عن خليط غبي، كل شيء فيه معروض ولا شيء فيه مفهوم، وكأنه خليط فوضوي من سمك- لبن- تمر هندي، يربك العقل ويشوّش البوصلة، مع ألفاظ شائبة تستخدم عند الحاجة الفصائلية لملء الفراغ الإعلامي، بعيداً عن المعنى السياسية والثقافي التاريخي.

في ثقافة سمك- لبن- تمر هندي لدى معظم الفصائل الفلسطينية، لا مكان للسؤال والمساءلة، ولا احترام للعقل، فكل شيء قابل للخلط وعدم التمييز ما بين الصح والخطأ، وما بين العدو والخصم، وما بين النقد والتخوين والوحدة والاستسلام. وهذا ما يؤدّي إلى المزيد من الأزمات، وتراجع الثقة والفعل أمام زحمة الصراخ والشعارات.

يحتاج العقل الفلسطيني الذي يعاني من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، إلى عملية إنقاذ من تراجع الثقافة السياسية، التي يجب أن تتّسم بالوضوح والتمسّك بجوهر القضية الفلسطينية، متمثّلاً بحق عودة اللاجئين إلى ديارهم التي هجروا منها قسراً عام 1948. فضلاً عن إعلاء شأن المحاسبة والمساءلة، بعيداً عن حال الدوران السياسي المكرّر داخل حلقة الفشل المليئة بالشعارات، وبالوجوه التي شاخت، من دون حكمة الوصول إلى منع الانهيار السياسي، هذا رغم حال الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني. بل إنّ بعض هذه الشعارات، وهذه الوجوه أسهمت في انحدار مستوى الوعي السياسي، كونها لا تزال تحاول دفع الناس نحو الهتاف وفوضى المفاهيم، وليس الفهم للمعنى وللمشروع الوطني.

إنّ ما يعيشه الفلسطينيون اليوم ليس أزمة قيادة فقط، بل كارثة على مستوى تراجع الثقافة السياسية، التي نتجت عنها ثقافة الرتب والرواتب، والسجالات السطحية. إضافة إلى سحب المعاني من سياقها، بما يجعل الخراب مألوفاً، والضجيج أمراً طبيعياً، والفراغ هو السائد الأكبر.
إنّ الفلسطيني الذي ينتصر بالحب والصمود والمقاومة، يجب ألّا يهزم من داخل الفكرة والعقل واللغة، وعليه أن يلجأ إلى محاربة كيّ الوعي، حتى لا يصبح كل شيء قابل للبيع من القضية إلى الوطن.

لقد ارتبطت الحال الثقافية الفلسطينية تاريخياً بالحركة الوطنية الفلسطينية، وكفاح الشعب الفلسطيني من أجل العودة والاستقلال والخلاص من الاحتلال، كما أنها ارتبطت بأسماء أدباء وفنانين ومفكرين، أمثال إبراهيم طوقان، وعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) وعبد الرحيم محمود ويوسف الخطيب وكمال ناصر وهارون هاشم رشيد ومعين بسيسو ومحمود درويش في الشعر؛ وجبرا إبراهيم جبرا وغسان كنفاني وسميرة عزام في القصة والرواية؛ وإحسان عباس ومحمد يوسف نجم في النقد؛ وإسماعيل شموط وسليمان منصور وعبد الرحمن المزين في الفن التشكيلي وناجي العلي في الكاريكاتور؛ وبأسماء مفكرين أمثال إدوارد سعيد وإبراهيم أبو لغد وأنيس صايغ وهشام شرابي.

ومن معين الثقافة الفلسطينية يجب بناء وعي ثقافي سياسي ناضج، يعيد إلى السياسية معناها الحقيقي في مسيرة الثورة من أجل التحرير والعودة، وليس من أجل السلطة وإدارة الانقسام والصراع على النفوذ.

* كاتب فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة