كريم حداد
منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، لم تعد إيران مجرّد دولة أطاحت بنظام ملكي واستبدلته بنظام جديد، بل تحوّلت إلى كيان تاريخي أحدث شرخاً في بنية النظام الدولي ذاته. فالثورة لم تكن مجرد انتقال في السلطة، بل كانت أول قطيعة جذرية في الشرق الأوسط الحديث مع نموذج «الدولة الزبونة» الذي صاغته الإمبراطوريات الغربية بعد الحرب العالمية الثانية: دولة تبدو مستقلة في الشكل لكنها في العمق تُدار سياسياً وأمنياً واقتصادياً من الخارج. بهذا المعنى، لم يكن سقوط الشاه حدثاً إيرانياً داخلياً، بل زلزالاً جيوسياسياً مسَّ منطق السيطرة العالمي، ولذلك لم تُغفر الثورة منذ يومها الأول.
ما جعل الثورة الإيرانية خطيرة على النظام الدولي ليس طابعها الديني ولا خطابها الأيديولوجي، بل كونها أخرجت دولة مركزية من دائرة التبعية. فإيران ليست دولة هامشية يمكن عزلها بسهولة؛ هي دولة نفطية، سكانية، حضارية، وموقعها الجغرافي يربط آسيا الوسطى بالخليج، وروسيا بالمحيط الهندي، والشرق الأوسط بآسيا. حين خرجت هذه الدولة من المدار الأميركي، وجدت واشنطن نفسها أمام سابقة تاريخية: دولة كبيرة في الجنوب العالمي قررت أن تمتلك قرارها السيادي، وأن تبني سياستها الخارجية وفق مصالحها لا وفق هندسة الحرب الباردة.
هنا بدأ الصراع الحقيقي حول من يملك إيران. قبل 1979 كانت إيران ملكاً للمنظومة الإمبريالية: نفطها، جيشها، استخباراتها، اقتصادها، كلها كانت جزءاً من بنية السيطرة الأميركية في المنطقة. بعد الثورة، لم تعد كذلك. وهذا وحده كافٍ ليجعلها هدفاً دائماً لكل أشكال الحرب: العسكرية، الاقتصادية، الثقافية، النفسية، الإعلامية، والسياسية.
في الثمانينيات جُرّبت الحرب المباشرة عبر العراق، ثم انتقلوا إلى العقوبات والحصار المالي ثم الحرب السيبرانية مروراً بالاغتيالات ومشروع التفكيك الثقافي. هذه كلها ليست حلقات منفصلة، بل أجزاء من مشروع واحد: إعادة إيران إلى وضع «الدولة الزبونة»، أي دولة يمكن توجيهها، ابتزازها، ودمجها في منظومة الهيمنة.
ما الذي يجعل إيران «مركزاً للثورة»
المركز لا يعني التفوق الأخلاقي أو الكمال السياسي، بل يعني الموقع البنيوي في شبكة الصراع. إيران تمثل العقدة التي تلتقي عندها معظم خطوط المقاومة في الإقليم: من فلسطين إلى لبنان إلى سوريا إلى العراق إلى اليمن. ليس لأن هذه القوى «تابعة» لإيران، بل لأن وجود دولة سيادية كبيرة خارج الهيمنة الغربية يخلق فضاءً استراتيجياً لهذه الحركات. حين توجد دولة تملك قرارها، يصبح من الممكن لحركات أخرى أن تتحرك خارج الإملاءات.
هذا ما يجعل إيران أخطر من أي تنظيم مسلح أو حركة شعبية. كون وجود الدولة السيادية، يفتح شقاً في بنية النظام العالمي. إنها تقول: ليس كل العالم تحت السيطرة. ليس كل النفط في يد الشركات الغربية. ليس كل الأمن في يد الناتو.
من هنا نفهم لماذا يُستثمر كل تناقض داخلي في إيران ليُحوَّل إلى أداة استراتيجية. أي أزمة اقتصادية، أي احتجاج اجتماعي، أي صراع ثقافي، يُعاد تأطيره فوراً في الإعلام العالمي بوصفه «ثورة ضد النظام». لكن السؤال الحقيقي ليس إذا كان في إيران أزمات، بل هل يُراد حل هذه الأزمات أم استغلالها لإسقاط الدولة السيادية؟
جاء خروج الملايين من الإيرانيين إلى الشوارع دفاعاً عن دولتهم وثورتهم اليوم بطريقة لا يفهمها الإعلام الليبرالي السطحي. هؤلاء لا يخرجون دفاعاً عن حكومة بعينها، بل دفاعاً عن حقيقة بسيطة: أن هذه الدولة، ليست ملكاً لواشنطن ولا لبروكسل ولا لتل أبيب. إنها ملكهم.
الحياد اليوم، هو نوع من الاصطفاف إلى جانب من يريد فرض وقائع تعيد هندسة الإقليم بوصفه تابعاً كلياً لإدارة أميركا وإسرائيل