يثير استمرار التعطل في عمل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، بعد شهر على الإعلان عن تأسيسها، تساؤلات سياسية وقانونية حول طبيعة الصلاحيات الممنوحة لها، ومدى قدرتها على إدارة مرحلة انتقالية في قطاع يرزح تحت وطأة عدوان مستمر وأزمة إنسانية غير مسبوقة، في وقت تتضارب فيه الروايات بين اتهامات بتفريغها من مضمونها، وتأكيدات رسمية بأنها تنتظر تمكيناً فعلياً للشروع في مهامها.
التأسيس والسياق السياسي
جاء الإعلان عن تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة في منتصف يناير الماضي، في أعقاب تصاعد الضغوط الدولية لإيجاد صيغة حكم انتقالية للقطاع، تواكب ترتيبات ما بعد الحرب، وتستجيب لمتطلبات إعادة الإعمار وضمان تدفق المساعدات.
وارتبط النقاش حول اللجنة بمسارات تفاوضية أوسع، في ظل قرارات أممية من بينها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، الذي شدد على ضرورة تحسين الأوضاع الإنسانية في القطاع وضمان وصول الإغاثة دون عوائق.
ورغم أن اللجنة أعلنت بدء عملها رسميا واستعدادها لتولي إدارة المؤسسات والمرافق العامة في القطاع، إلا أنها فشلت حتى الآن في الوصول إلى غزة، نتيجة الرفض الإسرائيلي، فيما لم تقم بأي مسؤولية لمتابعة الجهاظ الإداري والحكومي ولم يتوفر لها موازنة تشغيلية أو بنية مؤسسية تمكّنها من أداء مهامها، ما جعل حضورها حتى الآن أقرب إلى الإطار النظري منه إلى سلطة تنفيذية فعلية.
اتهامات بتحويل اللجنة إلى واجهة شكلية
يكشف رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، رامي عبده، استناداً إلى وثيقة وصفها بالسرية، عن إطار استراتيجي لأول مئة يوم من عمل اللجنة، رأى أنه لا يضع في أولوياته تمكينها كجسم وطني مستقل، بل يبقيها ضمن صيغة حكم صوري في المنفى، تستخدم كواجهة فلسطينية لتمرير ترتيبات أمنية وسياسية تقودها أطراف دولية.
ووفق ما أورده عبده، على صفحته على فيسبوك فإن التخطيط الفعلي (الأميركي الإسرائيلي) يتركز حول إنشاء منظومة حكم انتقالية ذات طابع أمني – عسكري، تدار عبر مركز تنسيق مدني – عسكري بقيادة أمريكية، فيما يجري تخصيص الموارد والإنفاق لمكتب الممثل الأعلى، في إشارة إلى الدبلوماسي الدولي نيكولاي ملادينوف، أكثر مما يخصص للجنة الوطنية نفسها.
ويحذّر عبده من أن الإطار المقترح لا يتضمن أولويات واضحة لوقف العدوان أو إطلاق عملية إعمار شاملة، بل يركز على ما يسميه خبراء السياسة بـ”الحوكمة الانتقالية المدنية – العسكرية”، وهي صيغة غالباً ما تستخدم في سياقات ما بعد النزاعات لفرض ترتيبات أمنية تتقدم على البناء المؤسسي المدني.
ومنذ وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر الماضي، استشهاد 618 فلسطينيا وأصيب أكثر من 1602 بنيران الاحتلال في قطاع غزة.
السيطرة المالية وإعادة تشكيل الجهاز الإداري
أحد أبرز المخاوف التي يطرحها منتقدو مسار اللجنة يتعلق بملف الرواتب وإدارة الموارد البشرية. إذ يشير التحليل إلى احتمال استخدام أدوات مالية لإعادة تشكيل الجهاز الإداري في غزة، عبر إخضاع الموظفين لتدقيق مالي ووظيفي واسع، قد يفضي إلى استبعاد كوادر وإدماج أخرى وفق معايير سياسية وأمنية.
ويُصنَّف هذا المسار – حسب الخبير عبده- في أدبيات علم السياسة ضمن ما يعرف بـ”الاستحواذ المالي على المؤسسات”، حيث تتحول أدوات التمويل والرواتب إلى مدخل لإعادة هندسة البنية الإدارية، بما يخلق تبعية مالية طويلة الأمد ويحدّ من استقلال القرار المحلي.
كما تتخوف أوساط حقوقية من أن يجري تصميم التخطيط الاقتصادي والإداري للقطاع وفق قيود أمنية إسرائيلية، لا وفق احتياجات السكان الفعلية، بما يكرّس نمط إدارة يقوم على ضبط السكان وإعادة تشكيل المجال العام، بدلاً من تمكينهم.
غيتو رفح الجديد ومخاوف العزل القسري
من بين النقاط التي أثارت جدلاً واسعاً ما تردد عن مشروع يُعرف بـ”غيتو رفح الجديد”، وفق توصيف الحقوقي عبده، ويقوم المشروع الذي تموله الإمارات على إنشاء معسكرات كرفانية تخضع لإجراءات تحكم صارمة.
ويرى محللون أن مثل هذه المشاريع، إن صحّت، تعكس توجهاً لإدارة السكان ضمن بيئات مقيدة، تقترب من نماذج العزل القسري، وهو ما يثير تساؤلات قانونية تتعلق بالقانون الدولي الإنساني وحظر النقل أو التجميع القسري للسكان المدنيين.
اللجنة: ننتظر الصلاحيات الكاملة
في المقابل، تؤكد اللجنة الوطنية لإدارة غزة أن إعلان الجهوزية (الصادر عن حركة حماس والجهات الحكومية في غزة) لتسليم إدارة المؤسسات يمثل خطوة إيجابية تمهّد لبدء ممارسة مهامها، وتعد أن أولويتها تتمثل في ضمان تدفق المساعدات، وإطلاق عملية الإعمار، وتعزيز وحدة الصف الوطني.
وتشدد اللجنة -في بيان أصدرها رئيسها علي شعت السبت- على أنها لا تستطيع تحمل مسؤولياتها بفاعلية ما لم تمنح الصلاحيات الإدارية والمدنية الكاملة، إلى جانب المهام الشرطية، معتبرة أن التمكين الحقيقي شرط لفتح الباب أمام دعم دولي جاد، وتهيئة الأرضية لانسحاب إسرائيلي كامل واستعادة الحياة اليومية بصورة طبيعية.
كما دعت الوسطاء والأطراف المعنية إلى تسريع معالجة القضايا العالقة، محذرة من أن استمرار التأخير يفاقم التدهور الإنساني ويقوض فرص الانتقال المنظم.
ومع ذلك لم تقدم اللجنة موقفا من قرار إسرائيل استمرار منعها من الوصول إلى قطاع غزة، ولا تفسيرًا واضحا لعدم تحمل مسؤولياتها المنوطة بها.
وكان يفترض وصول رئيس وأعضاء اللجنة في اليوم الأول من إعادة فتح معبر رفح في الثاني من فبراير/شباط الجاري، إلا أن ذلك تعطل نتيجة عراقيل إسرائيل إضافة إلى ترتيبات إدارية وفنية متعلقة بآليات العمل وفرقه والمرجعيات والأولويات، وفق مصادر متعددة.
إخفاقات تعرقل عملة اللجنة
الكاتب والمحلل السياسي، وسام عفيفة، في تصريحات عبر صفحته على فيسبوك وعلى الجزيرة يؤكد أن الاحتلال هو السبب الرئيسي لعرقلة تولي لجنة إدارة غزة مهامها عبر التعطيل الميداني، ووضع العراقيل الإجرائية، والتحكم بالمعابر ومسار التسليم.
ويرى أن حصر الأزمة في العامل الإسرائيلي فقط لم يعد كافيا لتفسير المشهد كاملا، خاصة في ضوء الجاهزية التي أُنجزت داخل غزة، والجهد المصري العالي الذي بُذل لإنجاح عملية التسليم.
وقال عفيفة: إن المشكلة الأعمق تظهر في المرجعية التي تقف خلف لجنة التكنوقراط (مجلس السلام، والهيئة التنفيذية، ورئاسة نيكولاي ميلادينوف)، حيث تبرز عدة إخفاقات واضحة أبرزها:
غياب الإنجاز الهيكلي، حيث لم يُستكمل البناء التنظيمي للجنة، كما لم تُحسم الأسماء بشكل نهائي، خاصة في الملفات الحساسة.
غياب الغطاء المالي، لعدم وجود صندوق مالي واضح ومعلن يواكب عمل اللجنة، كما لا توجد إجابة عملية عن كيفية التعامل مع الموظفين العاملين في الحكومة بغزة ومستحقاتهم، والالتزامات المالية السابقة، والنفقات التشغيلية الفورية، مما يضع اللجنة في موقع إدارة شكلية بلا أدوات.
ضعف الضغط السياسي على الاحتلال لاستكمال إجراءات الدخول إلى القطاع، رغم أن القاهرة أبدت استعدادا للإشراف على ذلك، مع ترتيبات تفصيلية للتسليم عبر التنسيق مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والهيئات الحكومية في غزة.
وجود ملفات عالقة بلا تصور واضح، فحتى الآن لا توجد إجابات واضحة حول كيفية التعامل مع الهياكل الحكومية القائمة، وحدود مسؤولية اللجنة.
الملف الأمني الذي يعد نقطة تفجير صامتة، مع غياب تصور واضح لكيفية بناء منظومة أمنية انتقالية.
التفاصيل اللوجيستية غير محسومة، مما يظهر مؤشرات إضافية على عدم الجاهزية، مع بقاء التساؤلات عن مكان إقامة اللجنة في غزة؟ وما هي مقراتها؟ وكيف ستُؤمَّن؟ وكيف سيتم تأمين دخول أعضائها إلى قطاع غزة؟
بين الشرعية والفاعلية
ومع استمرار العدوان وتفاقم الأوضاع الإنسانية، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت اللجنة ستتحول إلى إطار وطني قادر على إدارة مرحلة انتقالية بشفافية واستقلالية، أم ستظل عالقة بين حسابات السيطرة ومتطلبات الشرعية، في مشهد يعكس تعقيدات إدارة غزة في لحظة فارقة من تاريخها السياسي.