قراءة تحليلية في بيان قيادة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان الصادر يوم الثلاثاء 16/12/2025
كتب عصام الحلبي
يأتي البيان الصادر عن قيادة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، يوم الثلاثاء 16/12/2025، في توقيت بالغ الحساسية، تتقاطع فيه التحديات الأمنية والاجتماعية داخل المخيمات الفلسطينية مع التحولات السياسية الإقليمية، واستمرار حرب الإبادة والتهجير التي يتعرض لها شعبنا الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة. ويعكس البيان إدراكًا واضحًا لخطورة المرحلة، ومحاولة جادة لإعادة تثبيت الثوابت الوطنية والمرجعيات الجامعة في مواجهة محاولات التفكيك والتهميش.
يركز البيان على الأوضاع الأمنية والاجتماعية في المخيمات الفلسطينية في لبنان، في ظل واقع معيشي ضاغط ناتج عن تفاقم الفقر والبطالة، وتراجع خدمات وكالة الأونروا، إضافة إلى محاولات مستمرة لزج المخيمات في صراعات خارجية أو تحويلها إلى ساحات توتر أمني. ويعكس التشديد على تعزيز الاستقرار الأمني والتكافل الاجتماعي وعيًا وطنيًا بأن حماية المخيمات تشكل مدخلًا أساسيًا لحماية القضية الفلسطينية نفسها، وصون كرامة اللاجئين وحقوقهم الإنسانية والوطنية.
ويشكّل التأكيد على الدور التاريخي لمنظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني أينما وجد، محورًا سياسيًا مركزيًا في البيان. ولا يمكن قراءة هذا التأكيد بمعزل عن وجود محاولات التفافية تقودها قوى فلسطينية مرتبطة بمحاور إقليمية، تسعى إلى فرض معادلة تعدد المرجعيات داخل الساحة الفلسطينية، ولا سيما في مخيمات لبنان. هذه المحاولات، مهما رفعت من شعارات مطلبية أو إصلاحية، تحمل في جوهرها مخاطر جدية تهدد وحدة القرار الوطني، وتفتح الباب أمام تفكيك الإطار الجامع الذي شكّل تاريخيًا عنوان النضال الفلسطيني وشرعيته السياسية.
إن تعدد المرجعيات لا يخدم مصالح اللاجئين الفلسطينيين، بل يفاقم الانقسام، ويحوّل المخيمات إلى ساحات تجاذب إقليمي، بدل أن تبقى فضاءات صمود وطني. وهو ما ينعكس سلبًا على الاستقرار الأمني والاجتماعي، ويقوض أي جهد جماعي لمعالجة الأزمات المتراكمة، سواء على الصعيد المعيشي أو السياسي أو الأمني.
ويولي البيان أهمية خاصة للتمسك بوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، باعتبارها ركيزة أساسية في حياة اللاجئين، وشاهدًا دوليًا على قضيتهم وحقهم في العودة. ويعكس الرفض القاطع لسياسات تقليص خدمات الوكالة إدراكًا وطنيًا بخطورة استهدافها ماليًا وسياسيًا، لما يحمله ذلك من محاولات لتصفية قضية اللاجئين وإفراغها من مضمونها القانوني والإنساني، في ظل عجز المجتمع الدولي عن ترجمة قراراته إلى دعم فعلي ومستدام.
ورغم الأهمية السياسية والوطنية لما ورد في بيان قيادة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، إلا أن هذه المواقف لا ينبغي أن تبقى في الإطار النظري أو الخطابي، بل يجب أن تتحول إلى خطة عملية شاملة تستنهض مختلف أطر منظمة التحرير الفلسطينية، ولا سيما الأطر الشعبية والنقابية واتحاداتها ومنظماتها الجماهيرية، إلى جانب تفعيل دور المؤسسات الاجتماعية والفكرية والثقافية والأمنية.
إن ترجمة المواقف السياسية إلى برامج عمل ميدانية تعيد الاعتبار لدور منظمة التحرير كقيادة فعلية وحاضنة يومية لهموم اللاجئين، وتسهم في تحصين المخيمات في مواجهة مشاريع التفكيك وفرض البدائل عن المرجعية الوطنية الجامعة. كما أن إشراك الاتحادات والنقابات والمنظمات الشعبية في تحمل المسؤولية يعزز المشاركة الوطنية، ويكسر حالة الإحباط والتهميش التي تتغذى منها مشاريع التشرذم وتعدد المرجعيات. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى آليات واضحة للتنسيق والعمل المشترك، تقوم على برامج اجتماعية وتنموية وأمنية وثقافية متكاملة، تلامس احتياجات الناس اليومية، وتربط بين النضال الوطني والبعد الاجتماعي، بما يعزز الثقة بين جماهير اللاجئين ومؤسساتهم الوطنية.
ولم يغفل البيان توجيه التحية لصمود الشعب الفلسطيني في مواجهة حرب الإبادة والتهجير والحصار، ولا سيما في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة، في تأكيد واضح على وحدة الساحات ووحدة المصير. كما وجّه التحية لأرواح الشهداء وللأسرى في سجون الاحتلال، مجددًا العهد على مواصلة النضال الوطني حتى نيل الحقوق الوطنية المشروعة، وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.
إن البيان الصادر اليوم الثلاثاء 16/12/2025 عن قيادة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان يعكس موقفًا سياسيًا مسؤولًا في مواجهة مرحلة دقيقة، عنوانها حماية المخيمات، والتصدي لمحاولات فرض تعدد المرجعيات، وتعزيز الوحدة الوطنية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية. غير أن نجاح هذا الموقف يبقى مرهونًا بالانتقال من البيانات إلى السياسات، ومن الخطاب إلى الفعل، بما يضمن بقاء المخيمات الفلسطينية في لبنان جزءًا حيًا وفاعلًا من المشروع الوطني الفلسطيني، لا ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية أو البدائل المؤقتة.