آخر الأخبار

حزب الله وضرورات المرحلة

45876480

محمد مهدي برجاوي

في السياسة، لا تُقاس الأفعال دائماً بحدّتها، ولا تُفهم القرارات الكبرى من خلال ردود الفعل الفورية. فكثيراً ما تتحرك الأنظمة والأحزاب السياسية والفاعلون المسلحون وفق منطق يختلف جذرياً عن منطق الجمهور، بل وأحياناً بعكس ما يتوقعه أنصارهم قبل خصومهم. هنا تحديداً، تنشأ الفجوة بين ما يُنتظر سياسياً أو عاطفياً، وبين ما يُنفَّذ فعلياً على أرض الواقع، وهي فجوة كثيراً ما تُملأ باتهامات متسرعة، أو أحكام أخلاقية، أو قراءات سطحية للسلوك السياسي.

لكن لماذا يتصرف فاعل سياسي أو عسكري، في لحظات بالغة الحساسية، بطريقة لا تنسجم مع التوقعات السائدة؟ ولماذا يُفسَّر ضبط النفس أحياناً بوصفه ضعفاً، أو يُقرأ الامتناع عن الرد الفوري كعلامة تراجع؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، لا يكفي التوقف عند النوايا أو الخطاب، بل لا بد من النظر إلى ما يمكن تسميته بالحسابات الباردة؛ أي مجموعة القيود البنيوية، المحلية والإقليمية والدولية، التي تحكم سلوك الفاعلين، وتدفعهم إلى خيارات قد تبدو غير بديهية، أو حتى صادمة، من زاوية الرأي العام.

يُعدّ حزب الله مثالاً دالاً على هذه الإشكالية. فمنذ نشأته في ثمانينيات القرن الماضي، لم يكن الحزب فاعلاً جامداً أو أسيراً لنمط واحد من السلوك السياسي والعسكري، بل خضع لمسار طويل من التحولات، ارتبط أساساً بعملية اجتماعية – سياسية معقّدة، جعلته يعيد تعريف أولوياته وحدود فعله ضمن البيئة اللبنانية والإقليمية التي يعمل داخلها. هذه التحولات لا يمكن فهمها من خلال منطق «النية» أو «الإرادة» فقط، بل من خلال مسار تعلّم طويل فرضته الوقائع والقيود.

في بداياته، حمل الحزب خطاباً يتماهى مع مشروع ثوري عابر للحدود، تجلّى في شعارات ومفردات مثل «الثورة الإسلامية في لبنان». غير أنّ الاحتكاك المباشر بالمجتمع اللبناني، بتعدديته الطائفية والسياسية، وطبيعة نظامه القائم على التوازنات الهشّة، فرض على الحزب إدراكاً مبكراً لحدود الممكن. فجاء التحول الرمزي والسياسي الكبير نحو «المقاومة الإسلامية في لبنان»، في خطوة لم تكن تجميلية أو لغوية فحسب، بل عكست انتقالاً واعياً من منطق المشروع المفتوح إلى منطق الفاعل المحلي المتجذّر في سياق اجتماعي وسياسي محدد.

هذا التحول يُفهم نظرياً بوصفه نتيجة لعملية الإنخراط السياسي – الاجتماعي أو ما يُعرَف أكاديمياً بالـ socialisation، حيث يتعلّم الفاعل، عبر التجربة والتفاعل، ما يستطيع فعله وما ينبغي تجنّبه، وما يمكن قوله وما يجب تأجيله. في هذا المسار، لا تُلغى الأهداف الكبرى، لكن يُعاد ترتيب الأولويات، وتُضبط أدوات الفعل بما ينسجم مع القيود البنيوية. بعض هذه التعديلات يكون دائماً، وبعضها الآخر مرحلياً، بحسب طبيعة المرحلة وحدّة التحديات.

تتكرر هذه الدينامية في محطات مفصلية لاحقة. بعد تحرير الجنوب عام 2000، دخل الحزب مرحلة جديدة فرضت عليه إدارة معادلة ردع مختلفة مع إسرائيل، حيث لم يعد مجرّد حركة مقاومة تعمل من خارج الأرض المحتلة، بل فاعلاً يملك قدرة ردع تؤثر في الحسابات الإسرائيلية. ثم جاءت حرب تموز 2006 لتفتح فصلاً آخر، حيث اختبر الحزب حدود القوة وحدود الرد، ليس فقط عسكرياً، بل سياسياً واجتماعياً أيضاً. وما تلاها من سنوات شهد ترسيخاً لمنطق «إدارة الصراع» بدل السعي إلى حسمه، في ظل توازنات داخلية وإقليمية شديدة الحساسية.

أما مرحلة ما بعد الانخراط في الحرب السورية، فقد مثّلت بدورها اختباراً قاسياً لقدرة الحزب على التكيّف مع بيئة إقليمية متحوّلة، حيث لم يعد الصراع محصوراً بجبهة واحدة، ولا الخصم واحداً، ولا الحسابات بسيطة. في كل هذه المحطات، لم يكن سلوك الحزب نتاج ردود فعل آنية، بل نتيجة قراءة مركّبة للبيئة، تحاول تقليل المخاطر الاستراتيجية حتى لو كان ذلك على حساب الإشباع اللحظي للتوقعات الشعبية.

تكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة عند النظر إلى اللحظة الراهنة، ولا سيما في ضوء اغتيال إسرائيل للقائد العسكري في حزب الله الشهيد السيد هيثم طباطبائي. فالحدث، بما يحمله من دلالة رمزية وعملياتية، شكّل اختباراً حاداً لسلوك الحزب. في مثل هذه اللحظات، ترتفع الأصوات المطالِبة بردّ فوري ومباشر، وتُطلق اتهامات جاهزة بالضعف أو التردد في حال غاب هذا الرد.

ترتفع الأصوات المطالِبة بردّ فوري على الاغتيالات، وتُطلق اتهامات بالضعف أو التردد، وهو تقييم يتجاهل أن الاغتيال هو أداة استفزاز لدفع المقاومة إلى ردّ يكون ضمن سلّم تصعيد يخدم العدو

غير أنّ هذا النوع من التقييم يتجاهل حقيقة أساسية في علم الاستراتيجيا: أن الاغتيال ليس مجرد عمل عسكري، بل هو أداة استفزاز تهدف إلى فرض إيقاع معيّن على الخصم، ودفعه إلى ردّ محسوب سلفاً ضمن سلّم تصعيد يخدم الطرف المبادر. في هذا السياق، لا يمكن فصل السلوك الراهن لحزب الله عن الإشارات السياسية التي صدرت مؤخراً عن قيادته. فقد قال الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إنّه «منذ اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أصبحنا في مرحلة جديدة تجبّ ما سبقها، وتفترض أداءً مختلفاً».

هذه العبارة، بما تحمله من دلالة زمنية ومفهومية، لا تعبّر عن تبدّل في جوهر الصراع، بقدر ما تعكس إدراكاً واعياً لتغيّر شروط المرحلة وحدودها. فهي تؤشر إلى انتقال من منطق إدارة الاشتباك المفتوح إلى منطق إدارة ما بعد الاشتباك، حيث تُعاد صياغة أدوات الفعل وسقوفه وفق معطيات جديدة، من دون أن يعني ذلك تخلياً عن عناصر القوة أو عن قرار المقاومة بإعادة ترميم قدراتها التي كان الشهيد طباطبائي المشرف الأساسي عليها.

من هذا المنظور، يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا لم يرد الحزب فوراً؟ بل: لماذا يُفترض أصلاً أن يكون الرد الفوري هو الخيار العقلاني الوحيد؟ فاختيار التوقيت، وطبيعة الرد، ومكانه، كلها عناصر تدخل ضمن حسابات الردع والاستقرار، لا ضمن منطق الثأر أو الإشباع العاطفي. الامتناع عن الرد في لحظة معينة قد يكون جزءاً من إدارة الصراع، لا مؤشراً على العجز عن خوضه، ولا دليلاً على تغيّر في جوهر المشروع.

هنا تظهر بوضوح طبيعة الحسابات التي تحكم سلوك الحزب اليوم: الحفاظ على الغموض، عدم كشف قواعد الاشتباك، تجنّب العمل ضمن السيناريو الذي يرسمه الخصم، وعدم تحويل كل حادثة إلى نقطة لا عودة. هذه الضرورات تتقاطع مع قيود أخرى لا تقل أهمية، من بينها الواقع اللبناني الهش، والتشابك الإقليمي، واحتمالات توسع أي مواجهة إلى ما يتجاوز الساحة اللبنانية، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية والدقة.

إنّ قراءة سلوك حزب الله خارج هذه الشبكة من القيود تقود حتماً إلى استنتاجات مضلِّلة. فالفارق كبير بين منطق الجمهور، الذي تحكمه اللحظة والانفعال، ومنطق الفاعلين السياسيين والعسكريين، الذي تحكمه حسابات الاستمرارية وتوازن المخاطر. في هذا السياق، لا يعود ضبط النفس نقيضاً للقوة، بل أحد أشكال ممارستها الأكثر تعقيداً، حيث تُستخدم القدرة لا لإثبات الذات، بل للحفاظ على شروط الفعل في المستقبل.

في الخلاصة، يذكّرنا هذا النقاش بأن الفاعلين السياسيين لا يتحركون في فراغ، ولا يتصرفون فقط وفق ما يُنتظر منهم، بل ضمن منظومات من القيود والتعلّم والتكيّف. ما يبدو امتناعاً عن الفعل قد يكون فعلاً بحد ذاته، وما يُقرأ صمتاً قد يكون جزءاً من خطاب ردعي أوسع. ومن لا يأخذ منطق الحسابات الباردة في الاعتبار، سيبقى أسير مقاربة أخلاقية أو عاطفية للسياسة، عاجزاً عن فهم سلوك الفاعلين في لحظات الاختبار الكبرى، حيث لا تُقاس الخيارات بصخبها، بل بقدرتها على حماية المشروع في المدى الأبعد.

* أستاذ في العلاقات الدولية

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة