ناجي س. البستاني
في 27 أيلول من العام 2024، اغتيل أمين عام “حزب الله” السيد حسن نصر الله في غارات مُركّزة نفّذها الطيران الإسرائيلي مُستهدفًا عمق الضاحية الجنوبية، تحت مُسمّى “عمليّة النظام الجديد”. فما هي الأخطاء التي أودت بحياة السيد نصر الله، وهل كان من المُمكن تفاديها؟.
الخطأ الأوّل تمثّل باعتقاد قيادة “حزب الله” أن لا حرب كبرى بين إسرائيل و”الحزب”، باعتبار أنّ “حزب الله” لم يكن ينوي توسيع العمليات العسكرية التي يُنفّذها تحت راية “حرب الإسناد” التي أطلقها في 8 تشرين الأوّل 2023، وكان يظنّ أنّ الجيش الإسرائيلي لا يرغب بفتح جبهة ثانية في لبنان بشكل كامل، في ظلّ انخراطه في القتال الشرس والمُرهق ضُد حركة “حماس”. لكن تبيّن لاحقًا أنّ المشروع الإسرائيلي هو أوسع من مُجرّد الانتقام من الفلسطينيّين، ويشمل ضرب أركان “محور المقاومة” بكل تشعّباته، وأنّ الجيش الإسرائيلي قادر-في ظلّ الدعم العسكري اللامحدود من قبل الأميركيّين، على القتال في وقت متزامن على جبهات عدّة.
الخطأ الثاني تمثّل باعتقاد قيادة “حزب الله” أنّ الإسرائيليّين لن يعمدوا إلى استهداف السيد نصر الله شخصيًا، لكونه يحظى بحماية إقليمية، وأي خطوة متهوّرة في هذا المجال قد تفتح أبواب الحرب الشاملة في الشرق الأوسط على مصراعيها. لكن تبيّن لاحقًا أنّ إيران كانت تقيس كل خطواتها العسكرية بشكل دقيق ومدروس بعناية، لحفظ النظام الحاكم في طهران، ولحفظ ماء وجهه–كما يُقال، لكن من دون منح خُصومها الحجج الكفيلة بفتح حرب إسقاط النظام الإيراني برمّته. وتبيّن أيضًا أنّ نظام الرئيس السوري بشّار الأسد كان يُحاول تحييد نفسه عن أي صراع مباشر في المنطقة، من دون أن تشفع له هذه السياسة دون اتخاذ قرار إقليمي-دَولي بإسقاطه، لينهار كليًا في 8 كانون الأوّل 2024. ولم يكن الموقف العراقي الحيادي أفضل حالًا، في ظلّ توازناته الداخلية المُعقّدة وعلاقاته الخارجية الحسّاسة، ليقتصر “وهم” الرد الإقليمي المُنتظر على إطلاق بعض الصواريخ بعيدة المدى من اليَمن بين الحين والآخر، بشكل لا يُغيّر في ميزان القوى المُختلّ.
الخطأ الثالث تمثّل باعتقاد قيادة “حزب الله” أنّ مكان السيد حسن نصر الله غير معروف بدقّة للإسرائيليّين، وأنّ سريّة تحرّكاته كفيلة بتأمين الحماية له. لكن تبيّن لاحقًا أنّ حجم الخرق الإستخباري الإسرائيلي كان هائلًا، وأنّ “داتا” الأماكن والمقرّات التي تتنقّل فيها كل قيادات الصفّين الأوّل والثاني في “الحزب” مَكشوفة من جانب الإسرائيليّين، وأنّ هذه المعلومات تخضع للتحديث بوتيرة مُتواصلة، بفضل مزيج يجمع ما بين التفوّق التقني والتكنولوجي، والخرق الاستخباري المُزمن، والقدرة على تحرّك بعض العملاء ميدانيًّا.
الخطأ الرابع تمثّل باعتقاد قيادة “حزب الله” أنه حتى لو أرادت إسرائيل الذهاب إلى حرب شاملة، وتجرأت على تجاوز الخطوط الحمراء بالسعي لاغتيال “السيد”، وكانت تملك معلومات عن مكان تواجده، فهي لا تتمتّع بالقُدرة على الوُصول إليه بغارات من الجوّ، حتى ولوّ استعملت صواريخ خارقة للتحصينات. لكن تبيّن أن لا ضرورة لوُصول الصواريخ إلى الطابق الذي كانت تتحصّن فيه قيادة “الحزب”، فما يُعرَف بعلم الفيزياء باسم “المَوجة الصَدمية الانفجارية” تنتقل عبر الممرّات والفتحات الهوائية وتؤثّر بشدّة هائلة على رئتي الانسان وطبلتي أذنيه، بشكل يؤدّي إلى تمزّق ونزيف داخليّين، وبالتالي إلى الوفاة، من دون التعرّض لإصابة مباشرة بالشظايا أو الردم، وكذلك من دون أي تشوّه لشكل الجسم الخارجي. هذا دون أن ننسى الانبعاثات الغازية السامة من انفجار الصواريخ التي تضمن بدورها حُصول الوفاة.
في الخُلاصة، من الواضح ممّا سَبق أنّه كان من المُمكن تفادي هذه السلسلة من الأخطاء القاتلة على مستوى التقدير، وكذلك على صعيد إجراءات الحماية، خاصة عندما ظهر جليًا في الأيام والأسابيع القليلة التي سبَقت عملية الاغتيال الكبرى، مدى عمق الخرق الاستخباري الإسرائيلي لهيكليّة “الحزب”، وسعي القيادة الإسرائيلية المُتفلّتة من أيّ قيود، لاستغلال الدعم الأميركي المُطلق بغرض إحداث تغيير جذري في ما خصّ كامل توازنات الشرق الأوسط. ولا شكّ أنّ اغتيال السيد نصر الله لعب دورًا مؤثّرًا جدًا في تبدّل كامل مشهد المنطقة. في المقال الثاني ضمن هذا الملف الشامل، نتناول الأسباب التي أسفرت عن خسارة “حزب الله” الحرب.