آخر الأخبار

من غزّة والضاحية إلى طهران وكاراكاس: في «هندسة الهزيمة»

3bc398e1-367f-4494-bb5d-89dc927d22f0_16x9_1200x676
محمد منذر
إنّ ما نشهده اليوم من استباحة كاملة للخرائط والحدود، بدءاً من القصف المنهجي وحصار إيران، مروراً بالتوغّل الإسرائيلي في سوريا، وصولاً إلى البلطجة الدولية ضد دول ذات سيادة واختطاف القرارات السياسية واقتياد رئيس مغلول الأيدي كما حدث في فنزويلا، لا يمكن قراءته فقط من منظور التفوّق العسكري؛ نحن أمام تطبيق حرفيّ ومرعب لأعقد نظريات السيطرة النفسية والاجتماعية. إذ تسعى قوى الهيمنة، بقيادة الثنائي ترامب ونتنياهو، في إعادة صياغة النفسيّة العالمية لتقبّل «الخضوع» كخيار وحيد وعقلاني، وتحويل «المقاومة» إلى ضرب من ضروب الجنون أو الانتحار الجماعي.
الفيل المقيّد
إنّ المدخل الرئيسي لفهم هذه الحالة من الشلل التي تضرب المنطقة والعالم يكمنُ في الغوص عميقاً في النظرية النفسية المعروفة بـ«العجز المكتسب». هذه النظرية، التي تشرح كيف يستسلم الفيل الضخم لقيدٍ وهمي أو حبل صغير لا يقطعه رغم قدرته على فعل ذلك، إلا أنه لا يقطعه، ليس لأنه لا يملك القوة الجسدية لفعل لذلك، بل لأنه «تعلّم» واقتنع عبر تجارب الفشل المتكررة بأن المحاولة عبث، وأن الألم حتميّ مهما فعل. هذا التكتيك يطبَّق اليوم بحذافيره على الشعوب عبر سلسلة من «الصدمات» المدروسة والمكثفة؛ فالحروب لم تعد تهدف فقط إلى تدمير الأهداف العسكرية، بل إلى كسر الرابط الذهني بين «الفعل» و«النتيجة»، وتدمير «القدرة على تخيّل الانتصار» حتّى، ومحو الشعور بالأمان.
الثقة الوجودية
ولعل النموذج الأكثر فجاجةً ورعباً لهذا التطبيق هو ما شهدناه أخيراً في غزّة ولبنان؛ فعملية «طحن» البنية التحتية لحماس وحزب الله لم تكن مجرد عمل عسكري، بل كانت تطبيقاً لعقيدة «الصدمة والترويع» لزرع هذا العجز. إنّ الاختراق التكنولوجي المرعب في «عملية البايجرز»، التي حوّلت أجهزة الاتصال الشخصيّة الآمنة إلى قنابل موقوتة في جيوب الآلاف، كان يهدف إلى ضرب «الثقة الوجودية» التي تتجاوز مجرد «الشعور بالأمان» العادي وهي الحد الأدنى من اليقين الذي يحتاجه الإنسان ليعيش حياته الطبيعية دون أن يصاب بالجنون، وإلى زرع الشك في كل شيء، ليقولوا للمجتمع الحاضن: «لا مكان آمناً، ونحن آلهة التكنولوجيا الذين نصل إليكم في غرف نومكم، فلا جدوى من الاختباء».
وتوِّجت هذه الساديّة باستخدام القوة المفرطة في اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصرالله، حيث لم يكتفوا بالاستهداف الدقيق، بل استخدموا عشرات الأطنان من المتفجرات لمحو مربعات سكنية كاملة، في رسالة ترهيب واضحة تتجاوز الشخص المستهدف لتصل إلى «كيّ وعي» كل مَن يفكّر بالمواجهة، مفادها أن الثمن سيكون ماحقاً وأن الرموز التي تعتقدون أنها تحميكم يمكن سحقها بلمح البصر، مما يدفع العقل الجمعيّ إلى الاستسلام لفكرة أن المقاومة مستحيلة والاقتناع بأن «العالم أصبح مكاناً مرعباً جدّاً لا يمكنني العيش فيه إلا إذا استسلمت كلياً لمَن يملك مفاتيح هذا الرعب».

الحروب لم تعد تهدف فقط إلى تدمير الأهداف العسكرية، بل إلى كسر الرابط الذهني بين «الفعل» و«النتيجة»، وتدمير «القدرة على تخيّل الانتصار» حتّى، ومحو الشعور بالأمان

استراتيجية «المجنون»
هذه الممارسات الميدانية تندرج بوضوح تحت المظلة السياسية لاستراتيجية «الرجل المجنون» التي ينتهجها قادة الهيمنة ببراعة. فالسلوك السياسي الذي يلوح بحرق الأخضر واليابس، وقصف العواصم، واختطاف قادة الدول وجلبهم مغلولي الأيدي، ليس تهوراً عشوائياً كما يروج الإعلام، بل هو استراتيجية ردع عقلانية تعتمد على «اللاعقلانية» الظاهرة، وتقوم في جوهرها على مبدأ «الرد اللامتماثل». ومفاد هذا المبدأ هو أن أي فعل مقاوم بسيط سيقابله رد فعل هائل، غير متناسب، ومدمّر بشكل شامل.
عندما يرى المواطن الغارات تدك الضاحية وطهران، ويرى الجرّافات تغيّر معالم غزّة، والقرى في جنوب لبنان تُفخخ وتُفجر، وتُرتكب المجازر بدم بارد دون أن يرف للنظام الدولي جفن، تتسرّب إليه قناعة قاتلة بأن ميزان الرعب مختلٌ تماماً، وأن العالم محكوم بقوانين فيزيائيّة جامدة لا ترحم الضعفاء. هنا، يستخدم «المجنون» فائض القوة والتهديد بالفوضى الشاملة لشل التفكير الاستراتيجي للخصم، ودفعه إلى القبول بتسويات مذلة خوفاً من الفناء، حيث يترسخ في اللاشعور أن أي محاولة لكسر هذا الطوق لن تجلب سوى المزيد من الألم والخراب، مما يجعل الدول والشعوب التي تملك أوراق قوة هائلة تكتفي بالمشاهدة، وكأنها تنتظر دورها في الذبح، مقتنعة تماماً بأن أبواب الزنازين مغلقة، رغم أنها مفتوحة.
صناعة الموافقة
هذه القوة الخشنة، مهما تعاظمت، تظل عاجزة عن تحقيق استدامة الهيمنة على المدى الطويل دون الضلع الأخطر والمكمل لها: «الهيمنة الثقافية» و«صناعة الموافقة».
وهنا لا بد من التوقف عند ما طرحه غرامشي وتشومسكي؛ بأن النظام العالمي لا يكتفي باحتلال الأرض، بل يسعى إلى جعل قيمه ورؤيته للعالم هي «الفطرة السليمة» لدى الشعوب المقهورة، فتعمل الماكينة الإعلامية الغربية والعربيّة المتماهية معها ليل نهار لـ«صناعة الموافقة»، فتقوم بفلترة الواقع وتشكيله لخدمة مصالح النخبة المهيمنة، حيث يتم تزييف الوعي وهندسة اللغة ببراعةٍ خبيثة، فتصبح الإبادة الجماعية في غزة ولبنان «دفاعاً عن النفس»، ويصبح الحصار التجويعي «عقوبات ذكية»، ويصبح الاغتيال السياسي «عدالة ناجزة»، بينما تُشيطَن الضحية وتجرّد من إنسانيتها لتصبح مجرّد «أضرار جانبية».
الهدف هنا هو خلق حالة من التعمية الأخلاقية، حيث يقتنع المواطن المقهور بأن وضعه الدونيّ وتخلّفه هما نتيجة طبيعية لثقافته «الهمجيّة» وفساده وتخلّفه وليسا نتاجاً للاستعمار والنهب، وبذلك يمنح المستعمر «موافقة» ضمنية على استمرار هيمنته، ظناً منه أن في ذلك التحضر والنجاة، بل يصل البعض إلى مرحلة الإعجاب والانبهار بـ«المستعمِر القويّ».
التماهي مع المعتدي
وتصل المأساة ذروتها حين تنتقل الهزيمة من ساحة المعركة والسياسة إلى داخل النفس البشرية عبر آلية الدفاع النفسي المعروفة بـ«التماهي مع المعتدي». في هذه الحالة، وتحت وطأة الخوف الشديد والشعور بالعجز أمام جبروت الآلة العسكرية والاقتصادية، تلجأ الضحية لا شعورياً إلى تقمّص شخصية الجلاد وتبنّي صفاته وقيمه كحيلة نفسية للهروب من القلق. وكما شخّص ابن خلدون هذه الحالة ببراعة حين قال إن «المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب»، فأصبحنا نرى اليوم أصواتاً من النخب العربية والسياسية لا تكتفي بالصمت، بل تتبنّى سرديّة العدو بحذافيرها، وتلوم الضحية على موتها، شامتةً في ضرب المقاومة ومبررةً للحصار والتجويع والتنكيل.
هؤلاء المنهزمون داخلياً يرون في التكنولوجيا الإسرائيلية والغطرسة الأميركية معياراً للتفوّق الحضاريّ والأخلاقيّ، فيحاولون الهروب من «عار الضعف» والانتماء إلى ثقافتهم المحلّية عبر ارتداء «أقنعة بيضاء» ومحاكاة المستعمر في لغته وتفكيره، متحوّلين بذلك إلى وكلاء مجّانيين يجلدون ذاتهم ومجتمعاتهم نيابةً عن الجلّاد، مما يوفّر على العدو تكلفة الاحتلال المباشر ويحقّق له انتصاراً مجّانياً من الداخل.
كسر القيد الوهمي
إنّ قراءة المشهد من خلال هذه العدسات المركّبة تكشف بوضوح أنّ المعركة الحالية ليست معركة حدود وجغرافيا فحسب، بل هي معركة وجود وإرادة ووعي. إنّ التوسع في الجولان، وضرب رموز المقاومة بتلك الوحشية المفرطة، وحصار الشعوب اقتصادياً لدفعها نحو قاع الهرم المعيشي والخضوع والاستسلام، كلها حلقات في سلسلة واحدة تهدف إلى كسر الروح الجماعية. لكن التاريخ يعلّمنا درساً بليغاً: أن «العجز المكتسب» حالة نفسية طارئة يمكن نسيانها بمجرد أن ندرك أن القيد وهميّ، وأن استراتيجية الترهيب والرد اللامتماثل تسقط فور مواجهتها برباطة جأش ورفض للخضوع للابتزاز. فالإمبراطوريات التي تتوسّع بالخوف والبلطجة تحمل بذور فنائها في داخلها، والشعوب التي ترفض التماهي مع جلادها وتتمسّك بأصالتها الحقيقية، تظلّ عصيّةً على الكسر مهما اشتدت الهيمنة وتجبّرَ الطغيان.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة