أحمد الدبش
يحظى نقش مرنبتاح بمكانة مركزية في الجدل حول تاريخ «إسرائيل» القديمة المُتخيّلة، إذ يُستدعى عادةً باعتباره أول ذكر «موثّق» لاسم «إسرائيل» في سجل أثري خارج النص التوراتي. وقد أعادت صفحة «إسرائيل بالعربية» على منصة «أكس»، بتاريخ 31 كانون الأول 2025، هذا الادّعاء إلى الواجهة، بتقديم اللوحة بوصفها دليلاً تاريخياً قاطعاً على وجود «إسرائيل» في فلسطين خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد. غير أنّ هذا الادّعاء يعكس -في كثير من الأحيان- قراءة انتقائية تجمع بين الدليل الأثري المجرّد والتأويلات اللاهوتية والسياسية اللاحقة.
اللوحة والسياق: ما الذي تسجّله حقاً؟
عُثر على اللوحة عام 1896 على يد عالم الآثار البريطاني وليام ماثيو فلندرز بتري (F. Petrie) في معبد مرنبتاح الجنائزي بمدينة طيبة. ورغم أن اللوحة تعود أصلاً إلى عهد الفرعون أمنحوتب الثالث، فإن استخدامها أعيد في عهد مرنبتاح (حوالي 1213–1203 ق.م) لتسجيل انتصاراته العسكرية. ويركّز النقش -الذي يضم 28 سطراً – على حملة الفرعون ضد الليبيين وحلفائهم في الغرب. أمّا الإشارة إلى فلسطين، فوردت في السطور الختامية فقط، حيث تُذكر قائمة بكيانات ومدن مهزومة، يتوسّطها اسم يظهر في السطر السابع والعشرين مكتوباً بالهيروغليفية.
وهنا يبدأ جوهر الجدل العلمي، فالقراءة السائدة بين عدد من علماء المصريات في القرن العشرين -والتي جرى تكريسها إعلامياً – اعتبرت هذا الاسم دالاً على «إسرائيل». ومن ثم شاع إطلاق تسمية «لوحة إسرائيل» على النقش، رغم أن النص نفسه لا يقدّم أي تحديد ديني أو تاريخي يربطه بإسرائيل الكتابية.
وقد تنوّعت الترجمات للنص على نحو واسع، منها:
– «قوم إسرائيل قد أتلفوا، وليس لديهم غلة أو بذر» [عالم الآثار الفرنسي فرناند بتري]
– «لقد أبيدت إسرائيل واستؤصلت» [عالم الآثار الأميركي جيمس هنري برستد]
– «إسرائيل أقفرت وليس بها بذرة» [ترجمة عالم المصريات البريطاني سير ألان جادنر]
– «إسرائيل صار خراباً وقطع دابره» [ترجمة الباحث العربي فراس السواح]
– «إسرائيل مدمّر، بذرته لم تعد موجودة» [ترجمة العالم في الكتاب المقدّس وعالم لاهوت توماس طمسن والباحثة في الكتاب المقدّس إنغريد هيلم]
وهي صيغ تعكس اختلافاً في التفسير أكثر مما تعكس يقيناً لغوياً أو تاريخياً.
غموض الدلالة في النقش
يشير عدد من الباحثين الغربيين إلى أن اسم «إسرائيل» الوارد في نقش مرنبتاح يظل موضع التباس لغوي وتاريخي كبير. ففي كتابه مدينة إيزيس، يلاحظ المفكّر الفرنسي بير روسي أن «المفسّرين اندفعوا بشراهة نحو كلمة “إسرائيل” لكي يتلمسوا فيها الدليل الذي لا يمكن دحضه على وجود مملكة “إسرائيل”، أو شعب إسرائيل، والواقع أن معنى الكلمة يفلت من كل محاولة لتحديد أصوله، زد على ذلك أن فيها ما يسمّيه علماء القواعد الكلمة التي وردت للمرة الوحيدة في نص، فليس لدينا مثال آخر في مدوّنة مكتوبة. ولنضف إلى ذلك أنه، بصورة مستمرة، ومنذ الألف الثاني قبل الميلاد حتى زمن البطالمة كانت أرض فلسطين تُميّز بالتعبير عمورو. وأنه من المستحيل اليوم، ومع التدقيق، أن نجد معنى قومياً أو جغرافياً لكلمة “إسرائيل”».
في الاتجاه نفسه، يؤكد كيث وايتلام أن هذه اللوحة لا تقدّم دلائل ملموسة على طبيعة «إسرائيل» القديمة وموقعها، أو علاقتها بالأحداث والقصص التي جاءت في عدة مواقع من التوراة العبرية. وتنصبّ المشكلة على مغزى ومعنى التحديد الذي جاءت به النقوش المصرية حول «إسرائيل» ومقارنتها بكيانات أخرى أو مواقع أخرى ذُكرت في السياق نفسه. ويبدو أن «إسرائيل» مميّزة بأسماء المناطق: عسقلان، جازر – جيزر، وينعم برمز للتمييز يُستعمل في مواضع أخرى لتحديد «الشعب» أو «شعب غريب».
وقد استعملت هذه السمة لتدعيم الكتابات التاريخية المتخيّلة لكل من أولبرايت والت، والتي تقول إن قبائل إسرائيل جاءت من خارج فلسطين، ما يدل على أنها مجموعة بدوية، كانت على ما يبدو تتجه نحو الاستقرار، بالإضافة إلى التصورات الأخيرة التي جاء بها ألستروم وكوت، والتي تعرض فكرة كون إسرائيل شعباً أصلياً في المنطقة. يبدو بوضوح أن هناك بعض الاختلافات، ولكن الاستنتاجات المسرفة والمتعارضة في كثير من الأحيان، والتي استخلصت من هذه الدلائل المغرية تبتعد كثيراً عن الدلائل المتوافرة. فأقصى ما يمكن أن تكشف عنه النقوش هو أن إسرائيل كانت موجودة في المنطقة في ذلك الوقت ومن الممكن أن يكون لها دور مهم نسبياً. ولكن يصعب جداً استعمال هذه النقوش لدعم النظريات المفصّلة والادّعاءات المُفرطة التي بُنيت عليها.
وفي إطار مقاربة توفيقية، يرى لورانس ستاغر أن «إسرائيل» الواردة في اللوحة تشير إلى مجموعة سكانية كنعانية [فلسطينية] في مناطق عسقلان وجازر وينعم، وأنها تمثل نمطاً من التنظيم الاجتماعي–القبلي سبق ظهور الكيان السياسي المعروف لاحقاً في التقاليد العبرية.
ويستند ستاغر في ذلك إلى مشاهد مصوّرة في الكرنك لمعركة آسيوية لمرنبتاح، حيث رُسم المحاربون الذين عُرِّفوا على أنهم «إسرائيل» بالهيئة نفسها التي رُسم بها سكان عسقلان وجازر وينعم؛ أي بملامح كنعانية [فلسطينية] واضحة، ما يرجّح – في رأيه – أنهم لم يكونوا جماعة «غريبة» تماماً عن سياق فلسطين الكنعانية، بل جزءاً منه.
وفي تعليقه على تفسير الفقرة التي وردت في لوحة مرنبتاح، يقول عالم الآثار الإسرائيلي زئيف هرتسوغ: «رويداً رويداً بدأت تتبلور الثقوب في الصورة وبشكل متناقض نشأ وضع بدأت فيه المكتشفات الكثيرة تزعزع المصداقية التاريخية للوصف التوراتي بدلاً من تعزيزها مرحلة الأزمة، وهي مرحلة لا تنجح فيها النظريات في حل عدد كبير ومتزايد من الأمور المجهولة وتأخذ في إيراد تأويلات غير ملائمة تماماً، وبذلك يلف الغموض لوحة البازلت التي تبيّنها المكتشفات الأثرية ليتضح أنها غير قابلة للاستكمال».
قراءة بديلة: «يسيرارو»… قبيلة كنعانية [فلسطينية] أم منطقة «يزريل»؟
في مقابل هذه الاتجاهات التوفيقية، تتبنّى قراءات نقدية أخرى مساراً مختلفاً، انطلاقاً من إعادة فحص النص الهيروغليفي نفسه، إذ يقترح عدد من الباحثين أن القراءة الأقرب صيغةً للكتابة المصرية ليست «إسرائيل» بل «يسيرارو» أو «يزيرارو»، وأن هذا الاسم قد يكون مرتبطاً – لغوياً وجغرافياً – بمنطقة «يزرعيل» (سهل مرج ابن عامر) في شمال فلسطين. في هذا الاتجاه تُقرأ الجملة المحورية في السطر 27 على النحو الآتي: «يسيرارو (يزيرارو) سُحقت، ولم يعد لها بذر/حبوب».وتستند هذه القراءة إلى معطيات عدة:
أولاً، المُحدّدات الهيروغليفية: يرفق الكاتب المصري بالاسم مخصّص «العصا المعقوفة» مع هيئة رجل وامرأة وثلاثة خطوط للجمع، وهو مخصّص يُستخدم عادة للدلالة على «شعوب أجنبية» أو «قبائل»، لا على أراضٍ أو مدن، ما يعني أننا أمام جماعة بشرية لا كيان إقليمي محدّد. وفي المواضع الأخرى من النقش، يميّز الكاتب بوضوح بين أسماء الشعوب وأسماء الأراضي، ولا يُسجَّل أي خلط بين النوعين، الأمر الذي يقلّل من احتمال وقوع «سهو» أو خطأ من الكاتب في هذا الموضع تحديداً. ويشير عالم الكتاب المقدّس توماس طمسن في كتابه «التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي»، إلى تفسير يوركو الأخير لمشاهد المعركة في الكرنك الذي يعرض حملة مرنبتاح يلاحظ أن الفنانين المصريين يرسمون «إسرائيل» بنفس الأسلوب الذي يرسمون به سكان عسقلان وجازر وينعم وأن مجموعة «إسرائيل» التي هزمها مرنبتاح هي بالأحرى مجموعة محدّدة تماماً ضمن سكان فلسطين تحمل الاسم الذي يرد هنا لأول مرة. وفي مرحلة لاحقة متأخرة من تاريخ فلسطين، أصبح يحمل معنى مختلفاً إلى حدّ كبير.
ثانياً، التعبير الزراعي (bn prt.f) : تعني العبارة «لم يعد له بذر/حبوب»، وهي صيغة تدل على دمار زراعي شامل أكثر مما تدل على «إبادة إثنية». كما أن المخصّص المستخدم لكلمة «بذور/حبوب» هو حبة قمح تنتهي بثلاثة خطوط للجمع، ما يعزّز الارتباط بسياق زراعي–سهلِي، ويتّسق مع صورة تدمير المحاصيل في سهل خصيب، لا بالضرورة مع دلالة «استئصال شعب من الوجود».
ثالثاً، الشاهد الجغرافي المقارن: يشير بعض الباحثين، ومنهم رمضان السيد، إلى نص مصري مؤرّخ من العام الثامن من حكم رمسيس الثاني جاء فيه التعبير الجغرافي يزريـ [ل] الذي كان يُطلق على المنطقة جنوب فينيقية وهذا التعبير قريب الصلة بكلمة «يزريل» في نص مرنبتاح (يلاحظ وجود مخصّص العصا المعقوفة والجبل معاً في نهاية الكلمة)، ما يفتح احتمال أن يكون الاسم في لوحة مرنبتاح متصلاً بهذه المنطقة، لا بإسرائيل التوراتية.
يُضاف إلى ذلك أن النص المصري نفسه، كما يلاحظ توماس طمسن في «التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي»، أنه يقدّم الاسم بصورة يمكن أن تُفهم مجازياً؛ حيث يأتي «إسرائيل» – أو «يسيرارو» – في ترنيمة تتحدّث عن السلام بين «الأقواس التسعة» وعن الأرض (حورو) التي صارت «أرملة» لمصر. هنا يظهر الاسم ضمن بناء أدبي- رمزي يربط بين الأرض، والفرعون، والشعوب المختلفة بوصفهم أطرافاً في علاقة أبوية/زوجية، لا بوصفهم كيانات سياسية ذات حدود واضحة. وهذا ما يدفع توماس طمسن في كتابه «الماضي الخرافي (التوراة والتاريخ)» إلى القول إن الإشارة إلى «إسرائيل» في نقش مصري قديم لا يمكن التسوية بينها وبين «إسرائيل» الكتابية كما تعرضها النصوص العبرانية اللاحقة.
انطلاقاً من هذه المعطيات، يتضح أن تفسير نقش مرنبتاح بوصفه «أقدم دليل تاريخي على وجود إسرائيل» ينطوي على قدر كبير من الانتقائية والتسييس. فاللوحة في حدّ ذاتها لا تذكر مملكة باسم «إسرائيل»، ولا تقدّم مواصفات إثنية أو دينية تتيح ربطاً مباشراً مع الروايات التوراتية، بل تسجّل -في إطار خطاب ملكي دعائي- انتصاراً عسكرياً على مجموعة من المدن والمناطق والجماعات في فلسطين/ كنعان وليبيا. كما أن القراءة الصوتية واللغوية للنص تظل موضع نقاش مشروع بين المتخصّصين، ولا توجد إلى اليوم صيغة واحدة تحظى بإجماع علمي قاطع.
وعليه، يمكن القول إنّ تسمية اللوحة في الأدبيات الشائعة بـ«لوحة إسرائيل» تعكس – في جوهرها – اختياراً تفسيرياً واحداً من بين قراءات متعدّدة ممكنة، لا «حقيقة نهائية». ومن منظور منهجي، فإن التعامل النقدي الرصين مع النقش يقتضي التمييز بين ما يتيحه النص من معطيات مؤكّدة (وجود حملة مصرية في كنعان [فلسطين]، سقوط مدن كنعانية [فلسطينية]، ذكر جماعة/إقليم باسم إشكالي) وما يضيفه الباحثون لاحقاً من إسقاطات لاهوتية أو سياسية. وبهذا المعنى، فإن السؤال الرئيس لم يعد: «هل ذكرت لوحة مرنبتاح إسرائيل؟» بقدر ما أصبح: «أيّ إسرائيل هذه التي يمكن أن نفهمها من النص، وأيّ تاريخ نحاول أن نبني فوق كلمة واحدة موضع خلاف؟».
* مؤرّخ فلسطيني