آخر الأخبار

فلسطين تُمحى من الكتاب: من هنا يبدأ الامتحان

2

إبراهيم مرعي

ليس أصعب على شعب بلا وطن أو تحت الاحتلال، من أن يرى المعركة تُنقل من الشارع والحدود إلى دفاتر أطفاله. فالمحو لا يحدث دائماً بقوة السلاح فقط، بل قد يبدأ بخطٍّ صغير على خريطة، وباستبدال اسم تاريخيّ بعبارة مُلتبسة، وبترميز بارد يحوّل الوطن إلى «رقم».
في الأيام الماضية، كنت نشرت صوراً ووثائق من كتاب الجغرافيا للصف السادس في مدارس «الأونروا» في لبنان، تبعت ذلك عاصفة من الأسئلة: لماذا غاب اسم فلسطين من مواضع متعددة في الكتاب؟ ولماذا استُبدل بتسميات، مثل «الضفة الغربية وغزة»، أو الإحالة إلى «الدولة رقم (4)»! وكنت قد سألت سابقاً لماذا أزيل غصن الزيتون، والكوفية، وقبة الصخرة، وحنظلة، وعلم فلسطين من كتاب للصف الأول؟
هذه ليست قضيةً لغويةً، ولا «تفصيلاً تربوياً»، بل مسألة تمسّ جوهر الهوية، وحقّ الشعب الفلسطيني في أن يرى ذاته كما هي: شعبٌ له اسم، ووطنٌ له اسم، وحقٌّ لا يُختصر بترميز ولا يُدار بالمساومة.
ما الذي حدث؟ نمطٌ لا صدفة
المعروض في الوثائق لا يوحي بخطأ عابر، أو سهو مطبعي، بل إنه منهج تفكير: حذف الاسم من الخرائط والأسئلة والتمارين، وتجنّب ذكره حتى حين يكون السياق التعليمي يفرضه طبيعيّاً. فحين يُطلب من التلميذ تحديد حدود لبنان جنوباً، أو موقعه بالنسبة إلى فلسطين، أو قراءة خريطة الوطن العربي، يصبح تغييب فلسطين قراراً تربوياً ذا دلالة سياسية، لأن التعليم لا ينقل المعلومات فقط، بل يصنع معنى الانتماء ويؤسّس للوعي الجمعي لدى الأطفال.
والخطر الأكبر هنا ليس في أن كلمة أُزيلت من ورقة، بل في أن الغياب يتحوّل إلى قاعدة: الطفل الذي لا يقرأ فلسطين في كتابه اليوم، قد يُطلب منه غداً أن يتعامل مع فلسطين كفكرة قابلة للإنكار أو النسيان أو الاستبدال.
هل هذا «حياد»؟
تُرفع عادة لافتة «الحياد» وإرضاء المموّلين لتبرير تعديل المناهج في قضايا النزاعات. لكنّ الحياد في التعليم، وفق المعايير الدولية، لا يعني محو الهوية ولا تزوير الوقائع الأساسية. الحياد يعني تجنّب التحريض والدعاية وخطاب الكراهية، مع احترام حقائق التاريخ والجغرافيا وهوية المتعلّم وثقافته.
أمّا أن يُمحى اسم فلسطين من مواد تُدرّس لأطفال لاجئين فلسطينيين تحديداً، فهذا ليس حياداً، بل إعادة تشكيل للوعي: تحويل الوطن من اسم مكتوب إلى مصطلح مُحرج، ومن حقيقة واضحة إلى مسمى مؤقت أو ترميز مُبهم.
بين بقاء «الأونروا» ورفض المساس بالكرامة
لقد تعوّد اللاجئ الفلسطيني على سماع شعارات أن «الأونروا» هي الشاهد الأساسي على حق العودة، وأنها رمز القضية، وضمانة اللجوء. لكن فجأة اكتشف الجميع أن كل هذه الشعارات كاذبة! وأن «الأونروا» ليست شاهداً على حق العودة، بل أداة لطمس الهوية، كما أنها لا تساعد على حفظ كرامة اللاجئ بتقديم خدمات الحاجات الأساسية له.
وهنا من المهم الفصل بين مطلبين لا يجوز خلطهما:
الأول، استمرار «الأونروا» كعنوان دولي لخدمات اللاجئين الفلسطينيين، وهو وجود يرتبط بقضية سياسية وحقوقية لا يمكن شطبها.
والثاني، محاسبة سياسات وممارسات في داخل «الأونروا» لأنه ثبت أنها تمسّ الهوية وتفرّغ التعليم من معناه الوطني والثقافي.
والدفاع عن حق اللاجئ في التعليم والخدمات، لا يعني إطلاقاً الدفاع عن أي قرار إداري يُضعِف هوية اللاجئ. بل إن حماية «الأونروا» كفكرة ترتبط بحقوق اللاجئين، تبدأ من منع تحويل مدارسها إلى مساحة رمادية تُدار فيها الهوية بالتلميح لا بالتصريح.
مسارٌ عقلاني لا انفعالي
هذه القضية وغيرها مع «الأونروا» تحتاج إلى إجراءات واضحة، هي:
1. فتح تحقيق تربوي وإداري مكتوب وشفاف للإجابة عن: من صاحب القرار بالتعديل، ومَن أقرّه، ومَن المرجعية للتعديلات، وما مبرّراتها؟ مع عدم إغفال إطلاع اللاجئين على نتائج التحقيق.
2. إتاحة النسخ المُعتمدة للمراجعة: النسخة القديمة والجديدة، مع بيان التعديلات بنداً بنداً.
3. تصحيح فوري للمحتوى بعد أن ثبت الشطب: إعادة الاسم إلى الخرائط والأسئلة والمواد المرافقة دون ترميز أو مواربة.
4. حماية المعلّمين من أي ضغط أو تهديد: لأن المعلم الذي يجيب الطفل بوضوح «هذه فلسطين» لا يرتكب مخالفة تربوية، بل يمنع تشويشاً معرفياً متعمّداً.
5. موقف علني من القوى والفصائل والهيئات التي ترفع شعار «حق العودة والهوية»: الصمت هنا ليس حياداً، بل تناقضٌ مع ادّعاء تمثيل الوعي الوطني.
أخيراً، فليكن معلوماً لكل فلسطيني حرّ، أنّ الاسم الذي يُشطب من الكتاب، يُشطب من اللسان. فلسطين ليست «مصطلحاً حساساً»، ولا كلمة قابلة للاستبدال، ولا رقماً على خريطة. فلسطين اسمٌ قانوني وتاريخي وثقافي، وحق العودة لا يقوم في الفراغ، فالعودة تكون إلى قرى ومدن في وطن اسمه فلسطين. وعندما تُحذف فلسطين من مادة تعليمية، يُفتح الباب لتطبيع اللامسمّى، ولتعويد الطفل على أن وطنه يحتاج إلى تفسير بدل أن يكون بديهياً.
إنّ أخطر ما في هذه القضية أنها تختبرنا: هل نقبل أن تمرّ الهوية بصمت تحت ذرائع الإدارة والتمويل؟ أم نمتلك شجاعة الدفاع عنها بعقلانية وحق ووثيقة؟ ففلسطين ليست عيباً، وليست كلمة «خادشة». فلسطين تاجٌ على رأس الذاكرة، ومن يحاول شطب الاسم يجرّب شطب الحق. والحق لا يُمحى.

* خبير تربوي ومتخصّص في قضايا «الأونروا»

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة