آخر الأخبار

واجب القوى والنخب والأفراد في المعركة القائمة: إيران تمثّل العقدة الثورية في عصر الهيمنة

getty_684fc3c419-1750057924

كريم حداد

منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، لم تعد إيران مجرّد دولة أطاحت بنظام ملكي واستبدلته بنظام جديد، بل تحوّلت إلى كيان تاريخي أحدث شرخاً في بنية النظام الدولي ذاته. فالثورة لم تكن مجرد انتقال في السلطة، بل كانت أول قطيعة جذرية في الشرق الأوسط الحديث مع نموذج «الدولة الزبونة» الذي صاغته الإمبراطوريات الغربية بعد الحرب العالمية الثانية: دولة تبدو مستقلة في الشكل لكنها في العمق تُدار سياسياً وأمنياً واقتصادياً من الخارج. بهذا المعنى، لم يكن سقوط الشاه حدثاً إيرانياً داخلياً، بل زلزالاً جيوسياسياً مسَّ منطق السيطرة العالمي، ولذلك لم تُغفر الثورة منذ يومها الأول.
ما جعل الثورة الإيرانية خطيرة على النظام الدولي ليس طابعها الديني ولا خطابها الأيديولوجي، بل كونها أخرجت دولة مركزية من دائرة التبعية. فإيران ليست دولة هامشية يمكن عزلها بسهولة؛ هي دولة نفطية، سكانية، حضارية، وموقعها الجغرافي يربط آسيا الوسطى بالخليج، وروسيا بالمحيط الهندي، والشرق الأوسط بآسيا. حين خرجت هذه الدولة من المدار الأميركي، وجدت واشنطن نفسها أمام سابقة تاريخية: دولة كبيرة في الجنوب العالمي قررت أن تمتلك قرارها السيادي، وأن تبني سياستها الخارجية وفق مصالحها لا وفق هندسة الحرب الباردة.
هنا بدأ الصراع الحقيقي حول من يملك إيران. قبل 1979 كانت إيران ملكاً للمنظومة الإمبريالية: نفطها، جيشها، استخباراتها، اقتصادها، كلها كانت جزءاً من بنية السيطرة الأميركية في المنطقة. بعد الثورة، لم تعد كذلك. وهذا وحده كافٍ ليجعلها هدفاً دائماً لكل أشكال الحرب: العسكرية، الاقتصادية، الثقافية، النفسية، الإعلامية، والسياسية.
في الثمانينيات جُرّبت الحرب المباشرة عبر العراق، ثم انتقلوا إلى العقوبات والحصار المالي ثم الحرب السيبرانية مروراً بالاغتيالات ومشروع التفكيك الثقافي. هذه كلها ليست حلقات منفصلة، بل أجزاء من مشروع واحد: إعادة إيران إلى وضع «الدولة الزبونة»، أي دولة يمكن توجيهها، ابتزازها، ودمجها في منظومة الهيمنة.
ما الذي يجعل إيران «مركزاً للثورة»
المركز لا يعني التفوق الأخلاقي أو الكمال السياسي، بل يعني الموقع البنيوي في شبكة الصراع. إيران تمثل العقدة التي تلتقي عندها معظم خطوط المقاومة في الإقليم: من فلسطين إلى لبنان إلى سوريا إلى العراق إلى اليمن. ليس لأن هذه القوى «تابعة» لإيران، بل لأن وجود دولة سيادية كبيرة خارج الهيمنة الغربية يخلق فضاءً استراتيجياً لهذه الحركات. حين توجد دولة تملك قرارها، يصبح من الممكن لحركات أخرى أن تتحرك خارج الإملاءات.
هذا ما يجعل إيران أخطر من أي تنظيم مسلح أو حركة شعبية. كون وجود الدولة السيادية، يفتح شقاً في بنية النظام العالمي. إنها تقول: ليس كل العالم تحت السيطرة. ليس كل النفط في يد الشركات الغربية. ليس كل الأمن في يد الناتو.
من هنا نفهم لماذا يُستثمر كل تناقض داخلي في إيران ليُحوَّل إلى أداة استراتيجية. أي أزمة اقتصادية، أي احتجاج اجتماعي، أي صراع ثقافي، يُعاد تأطيره فوراً في الإعلام العالمي بوصفه «ثورة ضد النظام». لكن السؤال الحقيقي ليس إذا كان في إيران أزمات، بل هل يُراد حل هذه الأزمات أم استغلالها لإسقاط الدولة السيادية؟
جاء خروج الملايين من الإيرانيين إلى الشوارع دفاعاً عن دولتهم وثورتهم اليوم بطريقة لا يفهمها الإعلام الليبرالي السطحي. هؤلاء لا يخرجون دفاعاً عن حكومة بعينها، بل دفاعاً عن حقيقة بسيطة: أن هذه الدولة، ليست ملكاً لواشنطن ولا لبروكسل ولا لتل أبيب. إنها ملكهم.

الحياد اليوم، هو نوع من الاصطفاف إلى جانب من يريد فرض وقائع تعيد هندسة الإقليم بوصفه تابعاً كلياً لإدارة أميركا وإسرائيل

إيران ليست «يوتوبيا». فيها فقر، وصراعات، وتناقضات، وتيارات متعددة، وأزمات حقيقية. لكن الفرق الجوهري بينها وبين الدول التابعة هو أن أزماتها داخلية، لا مفروضة من الخارج. الدولة التابعة قد تبدو أكثر «استقراراً»، لكنها في الواقع بلا سيادة، وبلا قدرة على تغيير مسارها. أما الدولة المقاومة، فهي دائماً في حالة توتر لأنها تعيش في صراع مع نظام عالمي يريد إخضاعها. هذا التوتر هو ثمن الحرية.
الخطاب الإمبريالي يحاول دائماً أن يفصل بين «الشعب» و«الدولة» حين تكون الدولة سيادية. يُقال إن الشعب ضد النظام، وإن الدولة لا تمثل الناس. لكن هذا الخطاب نفسه لا يُستخدم أبداً ضد الدول التابعة مهما بلغ قمعها. هناك، يصبح الاستبداد «شأناً داخلياً». أما هنا، فيتحول فجأة إلى قضية كونية. هذا الكيل بمكيالين ليس مصادفة، بل جزء من الحرب.
معركة الدفاع عن مركز الثورة
إيران تمثل اليوم اختباراً تاريخياً لكل القوى الثورية في العالم. إذا سقطت، أو أُعيد إخضاعها، فإن الرسالة ستكون واضحة: لا دولة خارج المنظومة مسموح لها بالبقاء. لهذا لا يمكن فصل الدفاع عن إيران عن الدفاع عن فكرة المقاومة نفسها. إيران ليست «البديل» من الشعوب، ولكنها العمق الاستراتيجي لفكرة أن هناك دولاً يمكن أن تكون أدوات للتحرر لا أدوات للنهب.
فما هو المطلوب من النخب، ومن الأفراد، ومن المجتمعات التي ترى نفسها في صفّ التحرّر والمقاومة؟
الدفاع عن إيران لا يُختزل في تعاطف عاطفي أو في مواقف ظرفية، بل هو فعل سياسي – أخلاقي طويل النفس، يتصل مباشرة بمصير كل مشروع سيادي خارج المنظومة الإمبريالية. وأول الواجبات يقع على النخب الفكرية والسياسية. فالهجوم على إيران ليس عسكرياً فحسب، بل هو قبل كل شيء هجوم على المعنى. تُدار معركة ضخمة لإعادة تعريف ما هي «الدولة الشرعية»، وما هي «الحرية»، وما هو «الشعب»، إذ يُصبح كل ما يخرج عن الإرادة الغربية مُداناً سلفاً. النخب التي تتبنّى هذه اللغة دون مساءلة تتحوّل إلى أدوات داخل آلة الهيمنة.
إن أخطر ما في الحرب المعاصرة هو أنها حرب على الكلمات قبل أن تكون حرباً على الوقائع. حين تُسمّى العقوبات «ضغطاً ديبلوماسياً»، والحصار «سياسة مسؤولة»، والتمويل الخارجي «دعماً للمجتمع المدني»، يُعاد إنتاج العنف في صيغة أخلاقية. دور النخبة أن تكشف هذا العنف المقنّع، وأن تذكّر بأن أي تغيير يولد تحت الحصار ليس إصلاحاً بل إخضاع، وأن أي «انتقال ديمقراطي» يُدار من السفارات ليس انتقالاً بل وصاية.
واجب النخب أيضاً أن ترفض فخ «الحياد التحليلي» حين يكون الصراع وجودياً. ليست كل نزاعات العالم متماثلة. هناك صراعات داخلية يمكن مقاربتها ببرود أكاديمي، وهناك صراعات تمسّ جوهر السيادة. حين تُستهدف دولة لأنها رفضت أن تكون أداة، يصبح الوقوف على مسافة واحدة من الجلاد والضحية مشاركةً في الجريمة الرمزية. النقد من داخل معسكر السيادة مشروع، بل ضروري؛ أما النقد من موقع يساوي بين الهيمنة والمقاومة، فهو تواطؤ، حتى لو تزيّن بلغة حقوق الإنسان.
أما الأفراد، فهم يعيشون اليوم في ساحة معركة غير مرئية. حيث تحولت وسائل التواصل، والمنصات الإعلامية، إلى مصانع لإنتاج الالتباس. واجب الفرد الذي يرى نفسه في صفّ التحرر، أن يرفض الاستهلاك السريع للروايات الجاهزة. ليس المطلوب أن يتحول كل شخص إلى خبير في الشأن الإيراني، بل أن يحتفظ ببوصلة أخلاقية بسيطة: من يحاصر من؟ من يملك أدوات الإكراه؟ من يُمنع من التجارة والدواء والتمويل؟ من يُهدَّد وجوده كدولة؟ هذه الأسئلة وحدها تكشف طبيعة الصراع أكثر من آلاف التحليلات السطحية. حين تُطرح بهذه البساطة، يصبح من الواضح أن ما يجري ليس «صراعاً بين نظام وشعبه»، بل محاولة لكسر دولة من خلال مجتمعها.
أما شبكات الأحزاب والحركات والمثقفين والنقابات والناشطين، فواجبُها مضاعف. لأن المعركة ضد إيران هي معركة على هندسة العالم. يريدون تفكيك آخر دولة كبيرة في الإقليم خارجة عن الطاعة، لكي يُعاد تشكيل الشرق الأوسط بوصفه فضاءً بلا سيادة، مليئاً بكيانات ضعيفة تعتمد في أمنها واقتصادها على الخارج. في هذا المشروع، كل انتصار صغير ضد إيران هو رسالة لكل الآخرين: أن لا حماية خارج الطاعة.
لذلك إن التضامن مع إيران لا يمكن أن يكون معزولاً عن التضامن مع فلسطين، ومع اليمن، ومع لبنان، ومع فنزويلا، ومع كل تجربة تحاول أن تعيش خارج منظومة النهب. والدفاع عن إيران لا يعني تحويلها إلى أيقونة معصومة. بل على العكس، الاعتراف بتناقضاتها الداخلية هو جزء من الدفاع عنها، لأن الدولة السيادية وحدها تملك قابلية الإصلاح من الداخل. الدولة التابعة لا تُصلَح، بل تُستبدَل بنسخة أكثر طاعة. حين يُفتح نقاش داخلي في إيران حول السياسات والحقوق والاقتصاد، فهذا شأن سيادي. أما حين يُراد تحويل هذا النقاش إلى أداة لإسقاط الدولة بوصفها دولة، فهنا يجب أن يتدخّل كل من يؤمن بالتحرّر.
واجب المجتمع الثوري أن يميّز بين الاحتجاج بوصفه طاقة تغيير، والاحتجاج بوصفه أداة هندسة خارجية. والتاريخ البعيد والقريب مليء بالأمثلة: ثورات حقيقية تحولت إلى حروب أهلية مُدارة، وحركات شعبية تحولت إلى بوابات للتدخل الأجنبي. ليست المشكلة في غضب الناس، بل في من يلتقط هذا الغضب ويعيد توجيهه. وفي حالة إيران، نعرف جيداً أن القوى التي تفرض عليها العقوبات وتحاصرها منذ أربعة عقود ليست فجأة حريصة على رفاه شعبها.
في هذا الصراع، لا يكون الموقف الأخلاقي ترفاً. من يقف مع دولة سيادية محاصَرة لا يقف مع حكومة أو مع حزب، بل مع إمكانية السياسة ذاتها. يقف مع فكرة أن هناك مستقبلاً خارج الهيمنة. يقف مع حقّ الشعوب في أن تخطئ وهي حرّة، بدل أن تصيب وهي مُستعبَدة.
والصمت في هذه اللحظة ليس حياداً، بل اصطفاف. كلما اشتدّ الحصار على دولة مقاومة، يصبح التردد خدمةً لمن يحاصر. الدفاع عن إيران اليوم ليس واجباً إيرانياً فقط، بل واجب كل من يرفض أن يعيش في عالم بلا سيادة، بلا بدائل، بلا مراكز خارج الإمبراطورية.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة