آخر الأخبار

اختلافات «حماس» وخلافات «المشروع الوطني الفلسطيني»

1 (1)

أيهم السهلي

الخلافات، أو الاختلافات، ليست جديدة على الحركة الوطنية الفلسطينية، وقديمها «الفتحاوي»، كجديدها «الحمساوي»، مع التمنّي ألّا يذهب الجديد إلى ما ذهب إليه القديم، فتنشق «حماس» على نفسها، وتصبح حركتين أو أكثر.
مناسبة الكلام، ما يتداول في الأوساط الفلسطينية منذ أشهر عن خلافات أو اختلافات داخل حركة «حماس» صاحبة «الطلقة الأولى» في عملية «طوفان الأقصى» 2023. وقد تفاقم الحديث عن «التباين» الداخلي في الحركة بعد وقف إطلاق النار في تشرين الأول 2025.

وما سبق ليس سرّاً تكشفه هذه الأسطر، فمعظم مَن يتعاطى في السياسة الفلسطينية، بات يسمع، ويعرف عن الأمر بعض الشيء، وكل متحدّث يزعم، بما لديه من «معلومات» و«تحليل»، أنّ خلافاً يدور حول سلاح المقاومة، وأنّ تياراً من داخل الحركة الفلسطينية المسلحة، ليس لديه مانع من التفاوض على السلاح.

الشخص المتهم بما سبق، هو رئيس المكتب السياسي الأسبق في «حماس» خالد مشعل و«تياره»، والذي خرج قبل أيام في «منتدى الجزيرة» وقال كلاماً مختلفاً عمّا يشاع: فأوضح أن «حركة حماس منفتحة على مقاربات واقعية تقوم على الضمانات، وليس على نزع السلاح»، وأضاف: «الثابت هو استمرار المقاومة ما دام الاحتلال قائماً، أمّا المتغيّر فهو أشكال المقاومة وأدواتها». وبيّن أن «محاولات نزع سلاح الشعب الفلسطيني، في وقت تُسلّح فيه ميليشيات عميلة وتُغذّي الفوضى، تمثّل خطراً وجودياً».

إنّ الخلاف الذي يتداول عنه في «حماس»، هو ليس خلافاً داخل هذه الحركة الفلسطينية المقاتلة، التي تراجعت عن مبادئها الأولى وقبلت عام 2017 بإقامة دولة على حدود الرابع من حزيران 1967 من دون التخلّي عن كامل التراب الفلسطيني. إنما الخلاف هو في جوهر الحركة الوطنية الفلسطينية منذ عقود: فحلّ الدولتين، برؤيا النقاط العشر عام 1974، أو إقامة دولة على حدود 1967 وفق وثيقة «حماس» 2017، حلّ مبتور، وما بين «السنتين» أكثر من أربعين عاماً، لم تفلح كل السبل إلى إنهاء الاحتلال عن أراضي «الدولة» المحتلة، وهي الجزء من فلسطين الذي أتمّت إسرائيل احتلاله عام 1967، مع هزيمة مصر وسوريا، وخسارة أراضٍ من البلدين: سيناء والجولان. والأولى، ساعدت الرئيس المصري آنذاك أنور السادات على تحقيق رؤيته، فأخذ مصر نحو معاهدة سلام، تدرّجت بها على مراحل، «بدءاً» بزيارة السادات إلى إسرائيل، وإلقاء كلمة في الكنيست عام 1977 قال فيها ما قاله ومنه على سبيل المثال لا الحصر: «لو تحقق السلام بين دول المواجهة كلها وإسرائيل، بغير حل عادل للمشكلة الفلسطينية، فإنَّ ذلك لن يحقق أبداً السلام الدائم، العادل، الذي يلحّ العالم كله اليوم عليه»، لتوقع في العام التالي اتفاقية «كامب ديفيد»، وفي عام 1979 وقّعت مصر معاهدة السلام مع إسرائيل.

الحل المقصود، ليس المصالحة الوطنية، فقد باتت ممجوجة من كثرة الكلام فيها وعلكها على ألسنة الجميع، من دون نتيجة حتى في أحلك الأوقات، وهذه الأوقات أحلكها

إنّ الجزء المحتل من فلسطين عام 1967، والذي من المفترض أن تقام عليه دولة فلسطين، مقسّم، وفقاً لـ«أوسلو»، وتبعاً لمصادقة المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت)، على القرارات الهادفة إلى إعادة تشكيل إدارة الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، وتعزيز مشروع ضمها لإسرائيل والتوسع الاستيطاني عليها.

ومن ضمن القرارات، أنّ إسرائيل تسمح لنفسها بهدم المباني الفلسطينية حتى في المناطق المصنفة «أ» وفق اتفاق أوسلو، والخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، وتشديد ملاحقة المنشآت غير المرخصة في مناطق «أ» و«ب» بذريعة حماية المواقع الأثرية، مما يتيح للاحتلال مصادرة الأراضي وتنفيذ عمليات الهدم. هذا فضلاً عن قرارات أخرى، تجعل إسرائيل، فعلياً لا لفظياً، ضامّة للضفة الغربية، ومتخلّية عن اتفاق «أوسلو» الذي بسببه تأسّست السلطة الفلسطينية (ونحن الفلسطينيون أسهمنا بالإجهاز على منظمة التحرير في سبيل السلطة والدولة).

أمّا في غزة، فالأرض «مفلوحة»، والناس هناك عادوا كأجدادهم اللاجئين عام 1948 «شعب الخيام»، وتحرمهم نتائج الحرب من كل شيء فعلياً، من ضمنها الحياة الآدمية، التي تشمل في حدّها الأدنى الطعام والشراب، والطبابة والتعليم. وهذا جراء السيطرة الإسرائيلية الكاملة حتى الخط الأصفر، وفرض الحصار على بقية قطاع غزة، حيث الخيام.

وبالعودة إلى الخلاف، الذي هو خلاف في الحركة الوطنية الفلسطينية، فإن الفلسطينيين في مواقع القرار، وفي مواضع الخلاف والاختلاف العديدة، الداخلية والخارجية، مطلوب منهم، بل وملزمون، بإيجاد حل فلسطيني جامع، وليس مقبولاً منهم استمرار الخلافات أو الاختلافات. فالأمر اليوم لم يعد «سياسة»، كما الحال عام 1983، أو 2007 في الاقتتال الذي نشب بين «الإخوة» والذي ندفع ثمنه حتى اليوم أيضاً. والحل المقصود، ليس المصالحة الوطنية، فقد باتت ممجوجة من كثرة الكلام فيها وعلكها على ألسنة الجميع، من دون نتيجة حتى في أحلك الأوقات، وهذه الأوقات أحلكها.

إن وجد الخلاف فعلاً، فالمطلوب فعلياً إصلاح ذات البين «الحمساوي» بشكل حاسم وسريع، وبتوافق ينهي أي خلاف داخلي، عبر انتخابات «حماس» المزمع عقدها قريباً (وفي حال نجاح الحل الديمقراطي، فإنّ «حماس» ستقدّم للشعب الفلسطيني نموذجاً على الحيوية والحياة، وتجاوز الأزمات). وبعد ذلك إنهاء الصراع مع «فتح»، والتوافق على حلّ وطني، اسمه «المشروع الوطني الفلسطيني» أو «برنامج العمل الفلسطيني» أو أي شيء آخر، وتفعيل المقاومة بأشكالها من أجل الحفاظ على الفلسطينيين في الأرض، والاستمرار بمنع التهجير، الذي يشكّل حلماً صهيويناً تعمل من أجله إسرائيل منذ تأسيسها. كما من المهم تقديم رؤية فلسطينية جامعة من أجل الكل الفلسطيني، شعباً وأرضاً. ومن أجل لملمة الفرقة العربية والإسلامية، حول القضية التي يدّعون أنهم ينتمون إليها.

سبّب الكلام، خشية من خطر كبير، بعضه خلاف «حمساوي – حمساوي»، يقول البعض إنه قد يتطوّر إلى انشقاق أو شقاق (يبدو أنه موجود أصلاً كما يذاع هنا وهناك)، والخشية من انعكاس هذا الوضع على الصف الوطني، لأني أظن أن انشقاق فتح عام 1983 أدّى إلى كوارث نعيش نتائجها حتى اليوم. علماً أن صحباً، أعلم منّي بالحركات الإسلامية، يقولون إنّ الإسلاميين لا ينشقّون، لكنني، وإن لم أجبهم يوماً، أقول، إنّ المسألة الفلسطينية خاصّة، وخاصّة جداً حتى على الإسلاميين وحركاتهم الإسلامية الوطنية.

* كاتب فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة