آخر الأخبار

الميليشيات العميلة للاحتلال في غزة.. أدوات قذرة ونهايتها محتومة

YT3j1

في مرحلة ما بعد الحرب، لا تبدو ظاهرة الميليشيات العميلة للاحتلال في قطاع غزة مجرد ملف أمني عابر، بل تعبيرًا عن محاولة أعمق لإعادة تشكيل المجال الداخلي للقطاع عبر أدوات محلية تعمل ضمن حسابات عسكرية واستخبارية إسرائيلية.

فمع دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر 2025، برز هذا الملف بوصفه أحد أخطر التحديات التي تواجه البنية الاجتماعية والأمنية في غزة.

التجارب التاريخية تشير إلى أن قوى الاحتلال، حين تجد نفسها أمام بيئة عالية الكلفة في السيطرة المباشرة، تلجأ إلى إنتاج طبقة وسيطة محلية تضطلع بالمهام الأكثر خطورة وحساسية.

في فيتنام وأفغانستان ولبنان، تشكلت كيانات مسلحة محلية بدعم خارجي مباشر، لكنها انهارت سريعًا فور تغير المعادلات السياسية أو العسكرية.

والعامل الحاسم في جميع تلك الحالات لم يكن التفوق العسكري، بل غياب الشرعية المجتمعية والارتهان الكامل للداعم الخارجي.

معادلة معقدة في غزة

وفي غزة، تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا. فالمجتمع الخارج من حرب طويلة يرزح تحت ضغط اقتصادي واجتماعي هائل، ما يخلق ثغرات يمكن النفاذ منها.

وتشير مصادر أمنية فلسطينية إلى أن بعض عناصر هذه المجموعات ينحدرون من خلفيات اجتماعية مأزومة أو هامشية، جرى استقطابهم عبر وعود مالية أو حماية أمنية، وتكليفهم بمهام تتصل بتمشيط مناطق القتال، وتفكيك العبوات، وتفتيش الأنفاق، وجمع المعلومات، بل وتنفيذ عمليات اغتيال بإسناد تقني مباشر.

الكاتب والناشط الغزي بلال جميل يرى أن جوهر الأزمة يكمن في فقدان الشرعية الوطنية، معتبرًا أن أي تشكيل يعمل تحت مظلة الاحتلال يبقى محكومًا بمصير مؤقت، حتى لو بدا في لحظة ما قويًا أو قادرًا على فرض حضور ميداني.

ويؤكد أن التاريخ يميل إلى إسقاط مثل هذه البنى حين تنقطع عنها الحماية الخارجية أو تتعاظم عزلة المجتمع تجاهها.

أدوات منخفضة الكلفة

الخبير في الشأن الأمني واصف عريقات يذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن ما يجري في غزة يندرج ضمن استراتيجية إسرائيلية كلاسيكية تقوم على “إدارة الصراع بأدوات محلية منخفضة الكلفة”.

ويشرح عريقات في حديث لمراسلنا أن الاحتلال يسعى إلى تقليص الاحتكاك المباشر لقواته في البيئات المعقدة كغزة، عبر تكليف مجموعات محلية بمهام عالية المخاطر، بحيث تتحمل هذه المجموعات العبء الميداني وتبقى إسرائيل في موقع الإسناد والتوجيه.

ويضيف عريقات أن خطورة هذه الظاهرة لا تتوقف عند بعدها الأمني، بل تمتد إلى محاولة تفكيك النسيج الاجتماعي وإدخال المجتمع في دائرة شك وارتياب متبادل. فحين تُزرع أدوات محلية في بيئة مغلقة ومترابطة كغزة، يصبح الهدف ليس فقط جمع المعلومات أو تنفيذ عمليات محددة، بل إحداث شرخ نفسي واجتماعي طويل الأمد. ويرى أن الاحتلال يراهن على إنهاك المجتمع واستنزافه داخليًا، بحيث تتحول المواجهة من صراع مع قوة خارجية إلى توتر داخلي دائم.

ملاحقات وتجفيف قنوات التجنيد

في المقابل، تؤكد مصادر في المقاومة أن هناك جهدًا مركزًا لمنع توسع هذه الظاهرة، عبر ملاحقة العناصر المتورطة وتجفيف قنوات التجنيد، إضافة إلى عزلها اجتماعيًا. وتشير هذه المصادر إلى أن نجاح أي ميليشيا في البقاء مرتبط بقدرتها على إيجاد حاضنة شعبية، وهو ما يبدو، حتى اللحظة، غائبًا في ظل الاصطفاف العام الرافض للتعاون مع الاحتلال.

خطاب الناطق باسم كتائب القسام “أبو عبيدة” الذي توعد عناصر هذه المجموعات بـ“المصير الأسود”، يعكس أن الملف بات في صدارة الاهتمام الأمني، خاصة بعد حوادث وُصفت بأنها خطيرة في مناطق جنوب القطاع.

غير أن عريقات يحذر من اختزال الظاهرة في بعدها العقابي فقط، مشيرًا إلى أن المواجهة الناجعة تتطلب معالجة أسباب الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية التي تُستغل في عمليات التجنيد، لأن المعركة في جوهرها ليست عسكرية فحسب، بل بنيوية أيضًا.

المشهد في غزة يظل مفتوحًا على احتمالات متعددة. استمرار هذه التشكيلات مرهون بالدعم الإسرائيلي المباشر، فيما انهيارها يرتبط بمدى قدرة المجتمع على عزلها ورفضها، وبمدى قدرة القوى الداخلية على تفكيك بنيتها الشبكية. لكن ما تكشفه التجارب التاريخية، كما يرى جميل وعريقات، أن الكيانات التي تُبنى خارج الإرادة الوطنية وتُدار بوظيفة أمنية صِرفة، نادرًا ما تصمد طويلًا.

 

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة