آخر الأخبار

لبنان وفلسطين… وجعٌ واحد وقلبٌ لا ينقسم ومسارٌ مشترك نحو العدالة والعودة

2e45b816-db6e-4256-9fcb-068f3f497879

بقلم : عصام الحلبي

لم تكن العلاقة الفلسطينية – اللبنانية وليدة نكبة عام 1948، ولا نتاج ظرف سياسي عابر فرضته تحولات إقليمية، بل هي علاقة ضاربة في عمق التاريخ والجغرافيا والثقافة المشتركة. فقبل أن تُرسم الحدود الحديثة وتُفرض خرائط الانتداب، كان الساحل الممتد من عكا إلى بيروت، والجبال التي تعانق الجليل والبقاع، فضاءً اجتماعياً واقتصادياً واحداً تتحرك فيه العائلات والتجارة والأفكار بلا حواجز، في مشهد طبيعي لوحدة المكان والإنسان.
في العهد العثماني، كانت فلسطين ولبنان جزءاً من فضاء بلاد الشام، ولم تكن هناك حدود فاصلة بالمعنى السياسي الحديث، بل تواصل دائم بين المدن والقرى وتكامل اقتصادي بين المرافئ والأسواق. شكّل مرفأ بيروت شرياناً لتجارة الداخل الفلسطيني، كما كان ميناء يافا بوابة لمنتجات الجليل والقدس نحو المتوسط. تداخلت العائلات، وتشابهت العادات والتقاليد، وتقاطعت المدارس الفكرية والنهضوية بين بيروت والقدس وحيفا. عكا، فكان التفاعل الثقافي والسياسي سابقاً على نشوء الكيانات الحديثة.
مع بدايات القرن العشرين، تلاقت الأصوات الفكرية والصحافية في مواجهة مشاريع التقسيم والاستعمار، وحين فُرض الانتدابان البريطاني على فلسطين والفرنسي على لبنان، ورُسمت الحدود السياسية الجديدة، بدأ فصل إداري لم يستطع أن يلغي عمق الروابط الاجتماعية والتاريخية بين الشعبين، بل زاد الشعور بوحدة المصير في مواجهة واقع مفروض.
وحين وقعت النكبة عام 1948 وأُعلنت دولة إسرائيل وفق مؤامرة دولية، استقبل لبنان عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين، فاحتضنت أرضه عائلات اقتُلعت من مدنها وقراها. لم يكن ذلك حدثاً سياسياً فحسب، بل لحظة إنسانية كشفت متانة العلاقة بين الشعبين، حيث امتزج الألم بالأخوّة، واللجوء بكرامة الصمود، وبقيت المخيمات شاهداً على جرح مفتوح في الذاكرة المشتركة.
على مدى العقود التالية، تشابكت مسارات الشعبين في مواجهة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان وفلسطين. تعرّض لبنان لاجتياحات واعتداءات، فيما واصل الفلسطينيون نضالهم من أجل حقهم في العودة وإقامة دولتهم المستقلة. وبرغم تعقيدات المراحل السياسية وما شهدته بعض المحطات من توترات، ظلّ البعد الشعبي للعلاقة أعمق من الخلافات، إذ لم تكن المخيمات الفلسطينية جسماً غريباً عن محيطها، بل جزءاً من نسيج اجتماعي يتقاسم هموم الحياة اليومية وتحدياتها.
امتزجت الأغنية الشعبية واللهجة والمطبخ وملامح الحياة اليومية، وفي الجامعات والأسواق وميادين العمل نشأت أجيال لبنانية وفلسطينية تتشارك الهمّ العربي ذاته، وتؤمن بأن المصير واحد مهما تعددت التسميات السياسية، كما لعبت المؤسسات الثقافية والإعلامية دوراً في إبقاء القضية الفلسطينية حيّة في الوجدان اللبناني، فيما ظلّ الفلسطيني يرى في لبنان سنداً تاريخياً وإنسانياً.
لا يمكن إنكار أن بعض الشوائب ظهرت عبر السنوات بفعل ظروف أمنية أو أزمات اقتصادية أو تجاذبات سياسية، غير أن هذه الشوائب بقيت طارئة أمام حقيقة ثابتة مفادها أن العلاقة بين الشعبين أعمق من أن تنال منها أزمة عابرة أو خطاب تحريضي. فلبنان، رغم أزماته المتلاحقة، بقي مساحة احتضان، وفلسطين بقيت قضية حاضرة في الضمير اللبناني.
إن العلاقة اللبنانية – الفلسطينية ليست مجرد تقاطع مصالح، بل امتداد تاريخي واجتماعي وثقافي تعمّد بالمعاناة المشتركة وبالأمل المشترك أيضاً. هي علاقة وعي بأن الحدود السياسية لا تستطيع أن تمحو وحدة الذاكرة، ولا أن تلغي حقيقة الجوار والتاريخ المشترك. كانت هذه العلاقة أخوية، وهي اليوم كذلك، وستبقى راسخة لأن ما يجمع الشعبين ليس ظرفاً عابراً، بل تاريخ ممتد من ما قبل النكبة إلى يومنا هذا، ومستقبلاً يُراد له أن يقوم على العدالة والكرامة وحق العودة والعيش المشترك.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة