آخر الأخبار

من الفضاء الإلكتروني إلى غرف القرار: معركة السيادة في زمن المراقبة

911da54a-b32b-463f-bc75-17958c472bee-rhlydgeeawe1ipfz4h6a0cky2bt13fkgtbv412pfg0-rip5hcmd6lm77nrff0ehl6848hl8e3mp5gqxnh71io

 يوسف أبو سامر موسى

لم يعد التجسس تفصيلاً ثانوياً في صراع الدول بل هو أحد أعمدته الصلبة فمنذ نشوء الكيانات الكبرى كان اختراق الخصوم وجمع المعلومات شرطاً للتفوّق والسيطرة ومع تأسيس أجهزة استخبارات مركزية كـ وكالة المخابرات المركزية CIA ولجنة أمن الدولة KGB تحوّل التجسس إلى مؤسسة قائمة بذاتها تعمل بعقيدة سياسية واضحة وتخدم مشاريع الهيمنة والنفوذ غير أن التحول الأخطر لم يكن في وجود التجسس بل في طبيعته فالجاسوس لم يعد ذلك الشخص الذي يتسلل خفيةً خلف الحدود بل أصبح منظومة رقمية متكاملة أقمار صناعية- شبكات اتصالات -خوارزميات تحليل- وبيانات ضخمة تُدار في مراكز تحكم بعيدة وهكذا انتقل الصراع من الميدان التقليدي إلى الفضاء الإلكتروني وأصبحت المعلومة سلاحاً استراتيجياً يُحسم به ميزان القوى قبل اندلاع المواجهات اليوم لم يعد السؤال من يتجسس؟ بل من يملك القدرة على حماية قراره وسيادته في عالم تُدار معاركه خلف الشاشات؟
فمنذ كنا على مقاعد الدراسة تعلّمنا أن الصوت هو موجات ميكانيكية تنبعث من الأحبال الصوتية أو من تصادم الأجسام وكنا نظن أنها تتلاشى بانتهاء سماعها غير أن العلم أثبت أن الموجات لا تفنى ببساطة بل تضعف وتتشتت ما فتح الباب أمام تقنيات تعتمد على تحليل الاهتزازات الدقيقة للأسطح وتحويلها إلى إشارات قابلة للمعالجة وما كان يُعدّ في الماضي ضرباً من الخيال العلمي بات اليوم جزءاً من واقع البحث العلمي المتسارع
ولقد أشار القرآن الكريم إلى محدودية علم الإنسان بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
وكذلك في موضع اخر ﴿عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾
فان هذا التوازن بين محدودية المعرفة وقابليتها للتوسع يتجلى اليوم في الطفرة الكبرى في علوم الذكاء الاصطناعي اذ لم تعد التكنولوجيا أدوات جامدة بل أنظمة قادرة على التعلّم والتحليل والاستنتاج فالذكاء الاصطناعي بات متداخلاً في الاقتصاد والطب والإعلام والأمن ومع اقترانه بالأقمار الصناعية وأنظمة الاتصالات الحديثة دخل العالم مرحلة تتجاوز الاستخدام المدني إلى فضاءات المراقبة الدقيقة وتحليل السلوك وربط البيانات ، تقنياً يمكن للاهتزازات الدقيقة للنوافذ أو الجدران او الستائر أن تُلتقط بأجهزة استشعار متطورة ثم تُعالج خوارزمياً لاستخراج أنماط صوتية، وعندما يُضاف إلى ذلك ذكاء اصطناعي قادر على تنقية الضجيج والتعرّف على الأصوات والوجوه يصبح المشهد أكثر تعقيداً إلا أن من الضروري التمييز بين الإمكانات النظرية والتطبيقات العملية فاختراق الغرف المحصّنة ليس أمراً مطلقاً كما يُصوَّر أحياناً بل تحكمه قيود فيزيائية وتقنية معقدة.
الخطر الحقيقي لا يكمن في جهاز بعينه بل في منظومة متكاملة من البيانات والتحليل والترابط الشبكي فالمسألة لم تعد مجرد التقاط صوت بل ربطه بهوية وسلوك وشبكة علاقات ضمن بيئة رقمية مفتوحة وهنا يتجلى التحدي السيادي الأكبر كيف نحمي قرارنا الوطني وخصوصيتنا الفردية في زمن أصبحت فيه حياتنا امتداداً دائماً للفضاء الإلكتروني؟
إن النقاش حول الحماية يجب أن يكون علمياً وواقعياً بعيداً عن التهويل أو التبسيط فالعزل المادي قد يخفف من انتقال الصوت لكنه ليس حلاً مطلقاً والوعي الرقمي وضبط استخدام الأجهزة والالتزام بإجراءات أمن المعلومات عناصر أساسية في أي استراتيجية وقائية فالمعركة اليوم ليست فقط على الأرض بل في البنية التحتية الرقمية التي تُدار من خلالها الدول والمؤسسات.
ختاماً: نحن أمام مرحلة تاريخية تتداخل فيها التكنولوجيا مع الأمن القومي وتتلاشى فيها الحدود بين المدني والعسكري. التكنولوجيا ليست شراً في ذاتها لكنها تتحول إلى أداة انتهاك عندما تُستخدم بلا ضوابط أخلاقية أو قانونية وبين الفضاء الإلكتروني وغرف القرار يقف الإنسان أمام مسؤولية كبرى: إما أن يجعل من الابتكار وسيلة لحماية السيادة وخدمة البشرية
أو يتركه يتحول إلى أداة اختراق وهيمنة تُعيد رسم خرائط النفوذ بصمت.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة