صدقي عاصور
فيلم المخرج الأميركي ستانلي كيوبرك «كيف توقّفت عن القلق وأحببت القنبلة» ينتهي بمشهد راعي بقر أميركي يمتطي قنبلة نووية تُلقى على الاتحاد السوفياتي قبيل نهاية العالم. الفيلم مميّز لعدة أسباب أحدها عنوانه الذي يبدو وكأنه مقال مجلة موضة موجّه للطبقة الوسطى عن الصحة النفسية وعلم الطاقة وكيفية «التعايش» مع القنبلة، على نحو يُظهِر نوعاً من العجز لدى المجتمع الذي يهتم بالصحة والتأمل واليوغا ونضارة البشرة لدى تعامله مع عالم ينهار.
سردية عدم جرّ لبنان إلى الحرب هي سردية بورجوازية وطنية، وأنا هنا لا أستخدم كلمة «بورجوازية» كشتيمة، بل أريد أن أظهر أنها تنمّ عن الوطنية بـ»أل التعريف»، كما انتقدتها روزا لوسكمبرغ (كتابتها العبقرية لا تقتصر على النخب الوطنية المعادية للاستعمار، بل النخب الوطنية كلها بما فيها معادو معادي الاستعمار، وأجزم أن مكتب روزا لوكسمبرغ في بيروت يناهض النخبة الأولى بينما يساند النخبة الثانية).
الفكرة الأساسية هنا أنه عندما تصبح هنالك حالة إجماع مهيمنة تتحدّث عن الوطنية، يصبح حتماً منظورها قاصراً حتى لو كان حسن النية. من النادر أن يستطيع «المنظور الوطني» أن يعطي تحليلاً شاملاً لمكامن الخلل وراء الفشل في بناء المؤسسات الوطنية على الصعيد المحلي فما بالك بإعطاء تحليل في شأن إقليمي وجودي وخطير.
أولاً، المنظور الوطني اللبناني يعوّل على سلطة الدولة بشكل يؤدّي إلى الالتصاق بها بشكل غير صحي فيؤدي إلى ضرب من ضروب عسكرة المجتمع (Statisim)، والتي ترتدي لباس اللا-عسكرة (بحجة تفويض الأمر إلى الجيش الوطني، أو أسوأ، إلى الراعي الدولي).
ثانياً، المنظور الوطني اللبناني يضع كل الثقل في لوم «الجماعة المسلحة من غير الدول» من دون النظر إلى طبقات أخرى من الأزمة. ياسين الحاج صالح يتبنى نظرية الوحوش الثلاثة: سرقة الإمبريالية (الغربية أولاً) للسيادة وسرقة الدولة المحلية للسياسة وسرقة الجماعات المسلحة للاجتماع. هناك تركيز في لبنان على الفئة الثالثة وكأنها الوصفة السحرية لحل كل مشاكل لبنان دونما النظر إلى الفئتين الأولى والثانية. يتم التأطير هنا أن حزب الله «خان بيئته ووطنه» بأوامر من طهران، لكن أليس بالأحرى أن ننظر إلى أن «الراعي الأميركي» الذي خان اللبنانيين عندما أدخل منطقة في حرب لا يمكن لها إلا أن تدمّرنا كلنا؟
ثالثاً، المنظور الوطني اللبناني يتصرّف وكأن بالإمكان للبنان أن يبحر من المنطقة هروباً كجزيرة عائمة في المتوسط على نسق الروائي البرتغالي جوسيه سامارغو الذي كتب رواية عن انفصال إسبانيا والبرتغال في شبه جزيرة ايبيريا عن أوروبا قبل إبحارها في المحيط الأطلسي. قد يقول البعض هنا إن اللبنانيين «مستنيرون» كالأميركيين المناهضين للحرب والمعارضين لسيطرة اللوبي الصهيوني على «قرار الحرب والسلام» في أميركا. حسناً، لكن أميركا ليس على حدودها دولة تقصف ضواحي الكاثوليك دون البروتستانت الذين يعلنون حيادهم التام والنأي بالنفس، (هذا هو السيناريو الخيالي الوحيد لمقارنة معاداة الحرب في أميركا بمعاداتها في لبنان).
رابعاً، المنظور الوطني اللبناني قاصر في منظوره التحرّري العربي (وهنا أخاطب اليساريين التغييريين وليس اليمين). حسناً أنت أردت، خاصة منذ عام 2019، أن تشكّل جبهة عربية مشرقية موحّدة لمواجهة «الهيمنة الإيرانية»، دخلك، هل لدينا ظروف موضوعية يمكن من خلالها تشكيل أي جبهة عربية موحّدة لمواجهة أي شي؟ إلا تلك الجبهات التي هي اقتصاد سياسي (معادٍ لدول إقليمية) موجّه من قبل دول إقليمية تعيد إنتاج انعدام الحرية في بلادنا؟ (هنا أنا أقرب إلى روزا لوكسمبرغ من لينين).
اللبنانيون مُحبطون من أن ما يحدث في الإقليم أكبر منهم من ناحية واقعية موضوعية، وهم يريدون البحث عن أسباب ذاتية؛ حزب أو بيئة تلام على أننا نعيش في الإقليم الذي نعيش فيه (بدأت أشك لأنهم بحاجة لكي يضرب الحزب تلك الرشقة كي يشرعوا بالتذمر). أمّا في سوريا، فالعصاب أكبر، فالكثير من السوريين يريدون الاستمرار بالتظاهر وكأننا في عام 2013، بعكس بعض السوريين العاقلين الذين يقولون إن مشكلتهم مع إيران انتهت في 8 ديسمبر 2024، وإننا نعيش اليوم في عالم جديد.
أنا أقرّ بأن حزب الله أخطأ بتدخله في سوريا (أنت أردت أن تمنع نموذج السعودية أو تركيا في سوريا، لكن تدخلك كما نرى اليوم قاد إلى إمكانية بناء نموذج الإمارات في سوريا وبدعم شعبي كمان)، وأن البعث السوري (الذي زار قائده الأسد الإمارات عدة مرات قبل سقوطه) ساهم عبر قمعه في إنتاج الإنسان السوري الإبراهيمي الجديد، لكنّ الكثير من سنّة العالم العربي وخاصة في مصر بدأوا يفقدون صبرهم مع خطاب «الضحية السورية السنّية الأبدية»، (على الهامش، سأكون أول من ينتقد الفلسطينيين معك إذا تبنّوا عقلية الضحية بعد نهاية الاحتلال الإسرائيلي) بل هناك من السوريين حرفياً من يتبنّى نظرية أن إيران هي التي غزت العراق عام 2003، ولذلك ضرب أميركا لإيران إحقاق للعدالة!
بالمقابل، كنت أظن أن عامر محسن يبالغ عندما قال إن معارضي حزب الله من اللبنانيين الشيعة هم الذين يتبنّون الهوية الطائفية لكنني اكتشفت أنه محق، الشيعة المعارضون ليس لهم وقت لقراءة ما يحدث في الإقليم والذي سيؤثّر على البيئة الشيعية، لأنهم منهمكون بالبيئة الشيعية نفسها، متبنّين شعار «أن يكون الشيعي الجنوبي ضفاوياً خير له من أن يكون غزّياً». لكم الحق في انتقاد ما ترونه من أوهام في نموذج «فييتنام العرب» لدى مناهضي أميركا، لكن لنا الحق في نقد أوهامكم في نموذج «الازدهار» بعد احتلال الأميركيين لليابانيين والألمان، نحن فشلنا في تحرير «فييتنام» وأنتم فشلتم في بناء «اليابان»، ولعنتنا واحدة، فامتلكوا الشجاعة أن تعترفوا بماهيّتها على الأقل.
* كاتب فلسطيني