آخر الأخبار

عندما تغتال الكلمة ويُكسر القلم … والقاتل يبقى بلا حساب”

website-picture-13-1-750x430

يوسف أبو سامر موسى*

لم تعد الحرب في منطقتنا تقتصر على الميدان العسكري بل تجاوزته لتطال الحقيقة ذاتها، فعندما تُستهدف الكلمة ويُغتال حاملها ندخل مرحلة أكثر خطورة من الصراع حيث يصبح الصوت الحر هدفاً مباشراً ويغدو القلم خصماً يجب كسره.

في هذا السياق يبرز الكيان الصهيوني كنموذج فريد في استهداف الإعلام، إذ تحوّل قتل الصحافيين إلى نهج ممنهج في انتهاك صارخ لكل القوانين والمواثيق الدولية التي تكفل حماية العمل الصحافي والقائمة طويلة من الضحايا لم تعد مجرد أرقام… بل شواهد دامغة على سياسة قائمة على إسكات الرواية الأخرى، وآخر هذه الجرائم اغتيال الصحفية أمال خليل في عملية حملت كل مؤشرات القصد والتخطيط المسبق..

 والأخطر من ذلك أن محاولات التنسيق لإجلاء الصحافيين المحاصرين عبر قنوات دولية بما فيها اليونيفيل ولجان المراقبة قوبلت بالتجاهل، وكأن القرار كان واضحاً لا نجاة قبل إسكات الشهود وبعدها يأتي التبرير العسكري كغطاء لعملية اغتيال مكتملة الأركان..

ولا يقتصر الاستهداف على الميدان الإعلامي بل يمتد ليشمل أصحاب الفكر والثقافة، حيث تُمارس سياسة الاعتقال التعسفي بحق المثقفين والكتّاب ويُزج بهم في السجون دون محاكمة عادلة أو رقابة قانونية إنها محاولة لتجفيف منابع الوعي وإخضاع المجتمعات عبر تكميم العقول قبل الأفواه ضمن سياسة ممنهجة تغطيها الولايات المتحدة.

وفي موازاة ذلك تستمر الاعتداءات على المراكز الدولية والأممية في تحدٍّ سافر لكل المحرمات الدولية من مجازر قانا الأولى والثانية وقبلهما مجازر دير ياسين في فلسطين وبحر البقر في مصر مروراً بمشاهد الدمار والمجازر في بيروت، وصولاً إلى الكارثة الإنسانية المستمرة في غزة ولبنان حيث يُمارس التهجير القسري والتدمير المنهجي للبنية التحتية، في انتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني.

ورغم صدور مئات القرارات الدولية التي تدين هذه الممارسات تبقى جميعها حبراً على ورق بفعل الحماية السياسية التي توفرها الإدارات الأميركية المتعاقبة ما يُفرغ النظام الدولي من مضمونه، ويحوّله إلى أداة انتقائية تُستخدم وفق المصالح لا المبادئ، بل أن صدور مذكرات اعتقال بحق شخصيات سياسية وعسكرية اسرائيلية متهمة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لم يترجم إلى إجراءات فعلية في ظل تواطؤ أو صمت دول يفترض أنها ملتزمة بمنظومة العدالة الدولية.

أما ملف الأسرى والمعتقلين واخرها سن قانون الاعدام، فيشكّل فصلاً آخر من فصول الانتهاك حيث تُمارس بحقهم سياسات التعذيب والإهمال الطبي والقتل البطيء في ظل قوانين وإجراءات تتعارض مع أبسط المعايير الإنسانية واتفاقيات جنيف ومع ذلك لا يتجاوز الرد الدولي حدود الإدانة اللفظية، دون أي خطوات رادعة كل ذلك يطرح سؤالاً جوهرياً: إلى متى تستمر ازدواجية المعايير؟ كيف يمكن تبرير شن الحروب تحت ذريعة منع انتشار السلاح النووي بينما يُغض الطرف عن ترسانة نووية كاملة لدى الكيان الصهيوني؟ وكيف يُبرَّر تدمير دول وشعوب تحت شعارات حقوق الإنسان، فيما تُرتكب أبشع الانتهاكات دون محاسبة حين يتعلق الأمر (بإسرائيل).؟

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد خلل في النظام الدولي، بل أزمة عميقة في مفهوم العدالة ذاتها، فحين يصبح القاتل فوق القانون  والضحية بلا صوت  فإن الإنسانية جمعاء تكون في دائرة الخطر.

ويبقى السؤال المفتوح: هل يأتي يوم تتحقق فيه العدالة الدولية؟ هل نرى محاسبة حقيقية لمرتكبي الجرائم بحق الأطفال والنساء والصحافيين؟ أم أن الكلمة ستبقى مستهدفة

والقلم مكسوراً، والجاني بلا محاسبة وعقاب… إلى أن يُعاد التوازن إلى ميزان الحق؟

إن الإجابة ليست مجرد أُمنية بل معركة وعي وإرادة، تبدأ بالحفاظ على الكلمة حيّة، لأن الكلمة الحرة، مهما حوربت، تبقى أقوى من الرصاص.

*باحث وكاتب سياسي/فلسطين.

الخميس 23 نيسان 2026

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة