هيثم أبو الغزلان
لم تعد النكبة الفلسطينية ذكرى تعود كل عام مثقلةً بالصور والشعارات والخطابات فقط، بل أصبحت واقعًا مستمرًا ومتجدّدا.
فما حدث عام 1948 لم يبقَ حبيس الماضي، بل تحوّل تدريجيًا إلى بنية سياسية مستمرة، تتبدّل أشكالها وأدواتها، بينما يبقى جوهرها ثابتًا: اقتلاع الفلسطيني من أرضه، وإعادة إنتاج الصراع بأسماء وأشكال وأبعاد ومراحل مختلفة.
وتكمن إحدى أكثر المفارقات قسوة في التاريخ الفلسطيني في أنّ النكبة لم تنتهِ عند حدود تهجير أكثر من سبعمائة وخمسين ألف فلسطينيّ وتدمير القرى وإقامة الكيان “الإسرائيلي”، بل استمرت بوصفها آلية عمل سياسية وعسكرية وجغرافية. وبالتالي فإن اختزال النكبة في بعدها الإنساني أو العاطفي فقط يُعدّ نوعًا من التبسيط المخلّ. إذ أنّ المسألة لم تكن مجرد مأساة لاجئين، بل مشروعًا متكاملًا لإعادة تشكيل المكان والهوية والسردية التاريخية في آنٍ واحد.
وبناء عليه، جرى التعامل مع الفلسطيني منذ 1948، باعتباره “مشكلة سكانية” ينبغي احتواؤها أو تفكيكها أو دفعها خارج الجغرافيا. ولم يكن تنفيذ العصابات الصهيونية المجازر التي رافقت قيام “إسرائيل”، من دير ياسين إلى الطنطورة واللد والرملة، مجرد أحداث جانبية فرضتها الحرب، بل جزءًا من منطق تأسيسي قائم على العنف المنظم وإعادة هندسة الديموغرافيا. ولهذا، لم يكن غريبًا أن تُزال مئات القرى الفلسطينية من الخرائط، أو تُستبدل أسماؤها، في محاولة لإنتاج جغرافيا جديدة بلا ذاكرة فلسطينية.
لذا لم يكن الرهان “الإسرائيلي” الأساسي عسكريًا فقط، بل زمنيًا أيضًا. من خلال الرهان على نسيان الأجيال لأرضها وقضيتها، في اختصار لفلسفة كاملة تقوم على أن الزمن كفيل بتآكل الهوية الفلسطينية وتحويل القضية إلى ملف إنساني قابل للنسيان.
غير أنّ ما حدث فعليًا كان مُغايرًا تمامًا؛ إذ تحولت الذاكرة الفلسطينية نفسها إلى شكل من أشكال المقاومة، وصارت مفاتيح البيوت التي لا يزال يحتفظ بها أصحابها أكثر من مجرد رموز عاطفية، بل إعلانًا سياسيًا عن حق لم يسقط ولن يسقط رغم مرور العقود.
وفي هذا الإطار تحديدًا، وصف المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي النكبة بأنها “عملية مستمرة”، لا حدثًا انتهى عام 1948. فكل مرحلة لاحقة من الصراع تظهر وكأنّها امتداد بصيغة جديدة لتلك اللحظة التأسيسية.
وأكدت حرب 1967 ذلك بصورة أوضح. فالهزيمة العربية لم تؤدِّ فقط إلى احتلال ما تبقى من فلسطين التاريخية، بل نقلت “إسرائيل” إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا: الاحتلال المباشر طويل الأمد. هنا بدأ المشروع الاستيطاني يتحول من أداة أمنية إلى عقيدة سياسية، وأصبحت الضفة الغربية والقدس ساحة لإعادة رسم الوقائع على الأرض بطريقة تجعل أي تسوية مستقبلية لمن يسعى لها شديدة التعقيد.
وبدا الصراع يظهر بوضوح أكبر أنه ليس نزاعًا حدوديًا بين دولتين، بل صراع على السيادة والهوية والمعنى السياسي لفلسطين نفسها. فالقدس مثلًا لم تعد مجرد مدينة محتلة، بل مركزًا لإعادة تعريف الرواية الدينية والتاريخية والسياسية للمنطقة بأكملها. ومن هنا، بدا الاحتلال “الإسرائيلي” وكأنه لا يسعى فقط إلى احتلال الأرض، بل إلى احتكار التاريخ أيضًا.
بعد 1967، بدأت المقاومة الفلسطينية تأخذ شكلًا مختلفًا. لم تعد مجرد مجموعات مشتتة أو ردود فعل عفوية، بل تحولت إلى مشروع سياسي وعسكري وثقافي متكامل يسعى لإعادة تعريف الفلسطيني بوصفه شعبًا لا قضية لجوء فقط. وهذا أحد أهم التحولات التي كثيرًا ما يجري تجاهلها عند قراءة تاريخ الصراع. فالمقاومة لم تكن مجرد بندقية، بل عملية إعادة إنتاج للهوية الوطنية الفلسطينية.
وهذا ما تحدّث عنه الكاتب والمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد أنّ “أعظم إنجاز للفلسطينيين أنهم أثبتوا وجودهم كشعب”. فبعد سنوات من محاولات التذويب والتغييب، عادت فلسطين إلى الوعي العالمي ليس فقط باعتبارها أرضًا محتلة، بل باعتبارها قضية شعب له جذوره الضاربة في أعماق التاريخ.
إنّ القضية الفلسطينية لم تكن حدثًا تاريخيًا معاصرًا جاء نتيجةً لنكبة العام 1948 أو هزيمة ال 1967، بل يُربط ظهورها بمجموع المتغيرات التي كانت تجري منذ أواخر القرن التاسع عشر داخل هذه المنطقة. واستخدم المشروع الغربي العنف بوصفه إحدى أكثر أدواته فاعلية، إلى أن نجح بعد قرن ونصف من وجوده في المنطقة، في إقامة “إسرائيل”، باعتبارها أداة لقطع التواصل الحضاري والتاريخي للأمة.
ويرى الدكتور فتحي الشقاقي أنّ “إسرائيل” تُمثّل قلب الهجمة الإستعمارية وضمانة استمراريتها وهيمنتها على المنطقة، ومن الصعب على العرب والمسلمين أن يُحقّقوا أهدافهم في مواجهة آثار ونتائج الهجمة الغربية من تجزئة وتغريب وتبعية من دون مواجهة قلب هذه الهجمة ورأس حربتها.
وفي سياق المواجهة، لعب الأدب والشعر والفن دورًا مؤثرًا إلى جانب العمل السياسي والعسكري. من روايات غسان كنفاني إلى قصائد محمود درويش، إذ تشكّلت رواية فلسطينية مضادة لمواجهة السردية “الإسرائيلية” التي سعت إلى تصوير فلسطين باعتبارها “أرضًا بلا شعب”. لقد أصبحت الثقافة الفلسطينية نفسها مساحة اشتباك سياسي ورمزي، وهذا ما منح القضية قدرة استثنائية على البقاء رغم كل التحولات.
ومع تعثّر مسارات التسوية وتآكل فكرة الحل النهائي، دخل الصراع مرحلة جديدة أكثر انفجارًا ظهرت مع أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وما تبعها من حرب مدمرة على غزة. فبعيدًا عن القراءات الدعائية والانفعالية، كشفت تلك اللحظة عن أزمة عميقة في بنية الصراع نفسه. طوال سنوات، تعاملت “إسرائيل” ومعها قوى دولية عديدة مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا يمكن إدارته لا حله؛ أي احتواء الفلسطينيين أمنيًا واقتصاديًا، وتوسيع التطبيع الإقليمي، مع الإبقاء على الاحتلال والاستيطان باعتبارهما وقائع قابلة للاستمرار.
غير أن السابع من أكتوبر نسف هذه الفرضية بالكامل. فقد أعادت العملية القضية الفلسطينية إلى مركز المشهد الدولي، وأظهرت أنّ تجاهل جذور الصراع لا يعني اختفاءه. صحيح أن “إسرائيل” ردّت بحرب غير مسبوقة على غزة، خلّفت دمارًا هائلًا وكارثة إنسانية واسعة، لكن الحرب كشفت في المقابل حدود القوة العسكرية ذاتها. فالتفوق العسكري “الإسرائيلي” لم ينجح، رغم حجمه، في إنتاج استقرار دائم أو إنهاء المقاومة أو حتى إغلاق الملف الفلسطيني.
وتبدو المفارقة في هذا الصراع أعمق: فعند كل محاولة لحسم القضية بالقوة تعيد إنتاجها بصورة جديدة. وهذا ما يجعل النكبة تبدو وكأنها تتجدّد باستمرار، لا باعتبارها نسخة مكررة من الماضي، بل كحالة سياسية مستمرة تتخذ أشكالًا مختلفة بحسب المرحلة.
وكشفت الحرب الأخيرة عن تحول مهم يتعلق بالرواية العالمية للصراع. للمرة الأولى منذ عقود، بدت “إسرائيل” أمام أزمة متزايدة في صورتها داخل الرأي العام الغربي، خصوصًا بين الأجيال الشابة. الجامعات الغربية، ومنصات التواصل، وحركات التضامن الشعبي، كلها أظهرت تراجع القدرة التقليدية على احتكار السردية داخل الإعلام الغربي.
في المقابل، تبدو “إسرائيل” اليوم أمام أزمة مركبة تتجاوز البعد الأمني. هناك انقسام داخلي متصاعد، وتراجع في صورة “الجيش الذي لا يُقهر”، وأسئلة متزايدة حول قدرة المشروع “الإسرائيلي” نفسه على الجمع بين الطابع اليهودي للدولة وبين ادعاء الديمقراطية، في ظل استمرار الاحتلال والاستيطان والحروب المفتوحة.
أما الحديث عن حلول نهائية، فيبدو أكثر هشاشة من أي وقت مضى. حل الدولتين يتآكل تدريجيًا تحت ضغط الوقائع الاستيطانية، بينما يصطدم طرح الدولة الواحدة بعقدة الهوية والديموغرافيا والخوف المتبادل. وحتى نموذج “إدارة الصراع” الذي ساد خلال السنوات الأخيرة، أثبتت حرب غزة أنه ليس أكثر من تأجيل مؤقت لانفجار أكبر.
لهذا، يبدو الشرق الأوسط اليوم أمام مرحلة طويلة من الصراع المفتوح؛ لا حربًا شاملة تحسم كل شيء، ولا تسوية سياسية قادرة على إنهاء الجذور العميقة للصراع. وربما تكمن خطورة المشهد في أنّ القضية الفلسطينية قد تكرّست عقدة مركزية ترتبط بالهوية والذاكرة والشرعية ومستقبل التوازنات الإقليمية نفسها.
بعد ثمان وسبعين عامًا، لم تعد النكبة حدثًا تاريخيًا يُستعاد في المناسبات، بل واقعًا مستمرًا يُعيد تشكيل المنطقة بأكملها. وربما لهذا السبب تحديدًا، تبدو فلسطين اليوم أقل شبهًا بقضية انتهت، وأكثر شبهًا بسؤال مفتوح لم يجد العالم إجابته بعد.