آخر الأخبار

النكبة الممتدّة في زمن الردّة

المؤلف احمد محمد

حمزة البشتاوي

منذ بداية زمن الردّة والهوان وثقافة الخضوع والاستسلام، عمد الفلسطينيون إلى تحميل القوى الاستعمارية والحركة الصهيونية وأنظمة عربية مسؤولية النكبة التي حلّت بهم سنة 1948، وذلك عبر تواطؤ مبكر واتفاقيات سرّية ما بين الحركة الصهيونية وبعض الأنظمة العربية. ترجمت هذه الاتفاقيات بالخذلان والتآمر وإفشال محاولة إقامة كيان فلسطيني فور إعلان انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين في منتصف ليل 14-15 أيار 1948، وهذا ما فتح الطريق إلى وقوع النكبة، وأساسها التهجير القسري وبروز قضية اللاجئين الذين يفتقدون للحقوق الاجتماعية والاقتصادية عند أشقائهم العرب حتى اليوم، وهم يعيشون في مخيمات بائسة ينظر إليها باعتبارها بؤراً أمنية مسيجة بالفقر والفوضى والقهر والتهميش والحرمان.

ومع الوقت، لم يعد هناك داع لأن تقوم وسائل الإعلام العربية بتذكير الفلسطينيين بنكبتهم الممتدة، فهم يعيشونها مع الكثير من الخيبات في البلاد العربية وأجهزتها الأمنيّة ومطاراتها، والتعامل الدائم معهم بما ينغّص حياتهم، ويعمّق ويصعب عليهم مأساة اللجوء.
لا يكترث الفلسطينيون بالأنظمة التي لم تغيّر ثوبها منذ أن أدت دوراً في تسهيل عمليات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ولا بالأنظمة التي تهرول اليوم نحو التطبيع، ولا يكترثون أيضاً لحال التراجع والانقسام السياسي الفلسطيني، والاهتراز الكبير في الثقة بالفصائل والقيادات الفلسطينية، إضافة إلى الكثير من التحدّيات والصعوبات التي لن تمنعهم من إحياء الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة تحت شعار «لن نرحل.. جذورنا أعمق من دماركم».

ويجدّد الفلسطينيون في كل سنة في ذكرى النكبة، بأسلحة الشوق واليقين، أنهم أصحاب الحقّ والأرض، وأنهم، رغم الاحتلال والردّة والتآمر والخذلان وويلات ومرارات التهجير والقتل والتدمير والتجويع، يقبضون على جمر هويتهم وحقّهم بالعودة إلى ديارهم في وطنهم فلسطين الذي لا وطن لهم سواه، وهم يحملون راية الألم والأمل ومفتاح الدار وخريطة البلاد وما يعبّر عن هويتهم الثقافية في أماكن اللجوء كافة وداخل الوطن وتحت حراب الاحتلال.

بسبب وجود الاحتلال وتآمر عرب الردّة، تستمرّ النكبة بكل ما تحمله من مآسٍ وويلات ووعي متجذّر عند الفلسطينيين حول طبيعة الصراع مع الاحتلال، وهم يرفعون رايات الصبر والصمود باعتبارها ثمرة الإصرار والاستمرار بالمقاومة بأوجهها المتعدّدة والمتنوّعة، المسلّحة والثقافية والاجتماعية والحضارية.
يعيش نحو نصف الشعب الفلسطيني لاجئاً في المخيمات ومشرّداً منفياً في الشتات، فيما يعيش نصفه الآخر تحت الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة، أو كمواطنين درجة ثالثة في الداخل المحتل عام 1948.

ومنذ النكبة التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني على أيدي العصابات الصهيونية، حيث ارتكبت المجازر وتم تدمير 418 قرية ومدينة وتجهير نحو 800 ألف فلسطيني من ديارهم في أكبر عملية تطهير عرقي بتواطؤ دولي ومن عرب الردّة، أطلق الشعب الفلسطيني ثورته المعاصرة عام 1965 التي أظهرت صورة الإنسان الفلسطيني المقاوم بالبندقية والحجر وشجر الزيتون وحكايات الأرض والتراث وذاكرة لا تمحى ولا تموت، بل يزداد أصحابها – أصحاب الأرض- تمسّكاً بحق العودة إلى البلاد وحجارتها وزيتونها المبارك وقدسها الشريف ومسجدها الأقصى وكنيسة قيامتها.

ويحيي الفلسطينيون ذكرى النكبة وسط تصاعد عمليات التهديد والاستيطان والاعتداءات في القدس والضفة واستمرار العدوان على غزة ولبنان وإيران، بما يفوق ما حدث في أثناء النكبة من حيث المجازر والتدمير، دون أن يحقّق الأميركيون والإسرائيليون أهدافهم، وسط حال من الردّة والخذلان تعمّق أكثر الجرح والألم الفلسطينيين، وتجدّد، في ذكرى النكبة، مقولة الشعب الثابتة: هم عابرون ونحن إلى أرض الجدود عائدون.

ويقول هذا الشعب ما قاله الشاعر سميح القاسم الذي أشعل فينا نيران الثورة والغضب، ولا يزال يدفعنا كي نصرخ بوجه المحتلين الغزاة ودباباتهم وطائراتهم وجدرانهم وخطوطهم الصفراء والبرتقالية:

«تقدّموا.. تقدّموا
كل سماء فوقكم جهنم
وكل أرض تحتكم جهنم
تقدّموا
يموت منا الشيخ والطفل
ولا يستسلمُ
وتسقط الأم على أبنائها القتلى
ولا تستسلمُ
تقدّموا.. تقدّموا
بناقلات جندكم
وراجمات حقدكم
وهددوا
وشردوا
ويتّموا
وهدموا
لن تكسروا أعماقنا
لن تهزموا أشواقنا
نحن قضاء مبرمُ»

* كاتب فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة