ملاك الأموي -بوابة اللاجئين الفلسطينيين
تتواصل حالة السخط والاستياء في أوساط اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، عقب قرار وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” حصر المساعدات النقدية الأخيرة بمخيمات وتجمعات محددة تضررت بشكل مباشر جراء الحرب “الإسرائيلية” الأخيرة، في وقت تعاني فيه مختلف المخيمات الفلسطينية من أوضاع اقتصادية ومعيشية متدهورة تفاقمت بفعل العدوان “الإسرائيلي” وتداعياتها
وأثار استبعاد عدد من المخيمات والتجمعات الفلسطينية من برنامج المساعدات النقدية تساؤلات واسعة حول المعايير التي اعتمدتها الوكالة في تحديد المستفيدين، وسط مطالبات بتوسيع دائرة الدعم لتشمل جميع اللاجئين المتضررين من الأزمة الاقتصادية والحرب، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
التمويل المحدود فرض نطاق الاستجابة
وكشف مصدر مطلع في “أونروا” لبوابة اللاجئين الفلسطينيين أن الوكالة اعتمدت في توزيع المساعدات على المخيمات والمناطق التي تعرضت لأضرار مباشرة نتيجة الحرب، ولا سيما في منطقة صور والضاحية الجنوبية لبيروت.
وأوضح المصدر أن مخيمات مثل الضبية ومار الياس لم تُدرج ضمن لائحة المستفيدين، لأنها تقع خارج نطاق المناطق الأكثر تضرراً وفق المعايير المعتمدة، مشيراً إلى أن الأزمة المالية الخانقة التي تواجهها الوكالة كانت عاملاً حاسماً في تحديد نطاق الاستجابة.
وأضاف: أن الأموال المتوافرة خُصصت للمخيمات التي شملها البرنامج، فيما لا توجد حالياً موارد إضافية تسمح بتوسيع المساعدات لتشمل مخيمات أو تجمعات فلسطينية أخرى، مؤكداً أن “أونروا” تدرك حجم الأعباء الاقتصادية والمعيشية التي تعانيها العائلات الفلسطينية في مختلف المناطق اللبنانية، إلا أن التحديات التمويلية تحد من قدرتها على تلبية جميع الاحتياجات.
الحرب فاقمت الفقر والبطالة والمعاناة طالت الجميع
من جانبه، أكد الكاتب والباحث في الشأن الفلسطيني علي هويدي أن الحرب الأخيرة جاءت لتفاقم الأوضاع المعيشية المتردية أصلاً داخل المخيمات الفلسطينية، مشيراً إلى أن نسبة الفقر بين اللاجئين كانت تتجاوز 80 في المئة، فيما بلغت نسبة البطالة نحو 45 في المئة قبل اندلاع الحرب.
وأوضح أن المخيمات الفلسطينية أظهرت خلال الحرب مستوى عالياً من التضامن، ولا سيما مخيمي عين الحلوة والمية ومية في منطقة صيدا، اللذين استقبلا أعداداً كبيرة من العائلات النازحة من الجنوب، بما في ذلك عائلات لبنانية، وقدما لها المأوى والمساندة رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها سكان المخيمين.
وأشار إلى أن هذا التضامن الإنساني رتب أعباءً إضافية على العائلات الفلسطينية المضيفة، التي تحملت تكاليف معيشية وخدمية جديدة وهي تعاني أساساً من الفقر والبطالة، مضيفاً: “الميت لا يحمل ميتاً”، في إشارة إلى أن المخيمات التي استضافت النازحين كانت تواجه أوضاعاً معيشية قاسية قبل أن تضطر لتحمل مسؤوليات إنسانية استثنائية فرضتها الحرب.
وانتقد هويدي آلية توزيع المساعدات، معتبراً أن قيمتها المحدودة لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات العائلات المتضررة، كما أن اقتصارها على مخيمات وتجمعات محددة خلق شعوراً بالتمييز بين اللاجئين، خصوصاً أن تداعيات الحرب لم تقتصر على المناطق التي تعرضت للاستهداف المباشر.
وأكد أن مخيمات صيدا، إلى جانب مخيمي نهر البارد والبداوي في شمالي لبنان، استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين وتحملت أعباء إضافية، لكنها لم تُدرج ضمن برنامج المساعدات النقدية، مشدداً على أن الوكالة لم تأخذ في الاعتبار الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية التي ترتبت على استضافة النازحين.
ودعا هويدي إلى اعتماد معايير أكثر عدالة وشمولاً تستند إلى حجم الحاجة والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للعائلات، بدلاً من الاقتصار على معايير جغرافية ضيقة، مؤكداً أن العائلات التي تعرضت للنزوح المتكرر خلال الحرب استنزفت ما تبقى لديها من مدخرات وموارد محدودة، ما يتطلب استجابة إنسانية أوسع وأكثر إنصافاً.
تصنيفات لا تعكس الواقع
بدوره، اعتبر الناشط الفلسطيني سامر مناع أن المعايير التي اعتمدتها “أونروا” تفتقر إلى الدراسة العلمية وتعتمد على تصنيفات لا تعكس الواقع الفعلي للاجئين الفلسطينيين في لبنان.
وقال: إن المجتمع الفلسطيني يعيش الظروف والمعاناة نفسها قبل الحرب وخلالها وبعدها، مشيراً إلى أن من لم ينزح من المخيمات استقبل عائلات نازحة وتحمل أعباء إضافية، فيما طالت تداعيات الحرب مختلف المخيمات والمناطق اللبنانية.
وأضاف: ” الشعب الفلسطيني في لبنان متضرر بشكل جماعي، لكن الجهات التي تضع هذه المعايير تتعامل معه وكأن هناك طبقات وفئات مختلفة، فتمنح المساعدة لمناطق وتحرم أخرى رغم وحدة المعاناة”.
وأكد مناع أن المطلوب هو اعتماد المساعدات النقدية بشكل أساسي لما توفره من مرونة، وتحفظ كرامة اللاجئ وتمكنه من تلبية احتياجاته الفعلية، لافتاً إلى أن بعض برامج التوزيع العيني السابقة واجهت مشكلات تتعلق بآليات التوزيع وعدم ملاءمة المواد المقدمة لاحتياجات الأسر.
وأشار إلى وجود حالة استياء متزايدة داخل المخيمات الفلسطينية من أداء الوكالة، محذراً من أن استمرار السياسات الحالية سيؤدي إلى مزيد من الاحتقان بين اللاجئين، مضيفاً: “الشعب الفلسطيني في لبنان يشكل فئة واحدة من اللاجئين المحرومين الذين يعانون على مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، وبالتالي فإن أي تصنيف يميز بين المخيمات أو التجمعات يعد قراراً غير عادل”.
وأوضح أن اللاجئين الفلسطينيين كانوا يعانون أساساً قبل الحرب من أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة بسبب غياب أي أفق سياسي لحل قضية اللاجئين واستمرار الأزمات المعيشية والبطالة والتقليصات التي تطال الخدمات الأساسية، مشيراً إلى أن الحرب زادت من حدة هذه المعاناة من خلال فقدان فرص العمل وارتفاع معدلات الفقر والصعوبات المرتبطة بالاستشفاء والتعليم وتأمين الاحتياجات الأساسية.
وفي انتقاده للمعايير الجغرافية، قال مناع: إن المجتمع الفلسطيني يشهد حراكاً اجتماعياً مستمراً وانتقالات سكنية وحالات نزوح وتنقل بين المناطق، متسائلاً: “كيف يمكن اعتماد تصنيف جغرافي ثابت في ظل غياب مسح دوري وشامل يواكب هذه المتغيرات”؟
وختم بدعوة “أونروا” إلى تكثيف جهودها لتأمين تمويل إضافي يسمح بتوسيع برامج الدعم لتشمل جميع اللاجئين الفلسطينيين، والعمل على تحويل جزء أكبر من المساعدات الإغاثية والعينية إلى مساعدات نقدية مباشرة، إضافة إلى إشراك خبراء وممثلين من المجتمع الفلسطيني في وضع معايير توزيع المساعدات لضمان أن تكون القرارات أكثر عدالة وقرباً من واقع اللاجئين.
الجميع متضررون من الحرب
وفي المخيمات المستثناة من المساعدة المالية، عبّر عدد من اللاجئين الفلسطينيين عن خيبة أملهم من قرار استبعادهم من المساعدات، مؤكدين أن معاناتهم المعيشية لا تقل عن معاناة الأسر التي شملها الدعم.
وقال اللاجئ الفلسطيني محمد السعدي: إن اللاجئين يعانون منذ أشهر من تراجع فرص العمل وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، متسائلاً عن الأسباب التي دفعت “أونروا” إلى اعتبار بعض المناطق متضررة واستثناء أخرى.
وأضاف: “لا نفهم لماذا اعتُبرت بعض المناطق متضررة وأخرى لا، فيما الجميع يعيش الظروف نفسها تقريباً”، مطالباً الوكالة بإعادة النظر في قرارها وتوسيع دائرة المستفيدين لتشمل جميع اللاجئين الفلسطينيين.
وأوضح أن ابنه فقد عمله في منطقة العباسية بمدينة صور بعد تدمير العيادة التي كان يعمل فيها بشكل كامل، وأصبح عاطلاً عن العمل رغم أنه يعيل أسرة وأطفالاً، قائلاً: “كيف يمكن استثناؤه من المساعدات وهو من المتضررين بشكل مباشر؟ وهناك كثير من الشبان الذين كانوا يعملون في الجنوب وخسروا وظائفهم بسبب الحرب، هذا القرار ظالم بحقنا، وعلى الوكالة أن تتحمل مسؤولياتها تجاه اللاجئين”؟
أما اللاجئة الفلسطينية زينب العوض، فأكدت أن الأعباء المعيشية تفاقمت خلال الحرب، مشيرة إلى ارتفاع إيجارات المنازل وأسعار الأدوية والاستشفاء والمواد الغذائية، الأمر الذي زاد من معاناة العائلات الفلسطينية.
وقالت: إنها فوجئت بقرار الوكالة حصر المساعدات بمناطق محددة، مضيفة: “ارتفع إيجار منزلي من مئة دولار إلى 175 دولاراً بسبب زيادة الطلب على المساكن، فيما تراجعت القدرة الشرائية وازدادت المصاريف بشكل كبير”.
ورأت العوض أن آثار الحرب لم تقتصر على المناطق التي تعرضت للاستهداف المباشر، بل امتدت إلى مختلف المناطق اللبنانية من خلال تراجع الحركة الاقتصادية وفرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة.
المعاناة كانت عامة والاستجابة يجب أن تكون شاملة
وكانت اللجان الشعبية الفلسطينية في منطقة صيدا قد اعترضت على حصر المساعدات بمناطق محددة، معتبرة أن تداعيات الحرب طالت مختلف المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان.
وقالت اللجان في بيان: إن “الحرب الأخيرة لم تستثنِ أحداً، ولم تقتصر آثارها على منطقة دون أخرى، بل طالت مختلف المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان، حيث تعرضت للقصف والاعتداءات المباشرة أو عانت من تداعيات العدوان وما نتج عنه من نزوح وخسائر اقتصادية واجتماعية ومعيشية أثقلت كاهل آلاف العائلات الفلسطينية”.
وأضافت: أن “حصر المساعدات بفئات أو مناطق محددة لا يعكس حجم الضرر الذي أصاب جميع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ولا ينسجم مع مبادئ العدالة والتكافل والتضامن التي نحرص جميعاً على ترسيخها. فالمعاناة كانت عامة، والاستهداف طال الجميع، ومن الطبيعي أن تكون الاستجابة الإنسانية شاملة وعادلة للجميع”.
وفي ظل محدودية التمويل التي تتحدث عنها “أونروا”، وتزايد المطالب بتوسيع دائرة المستفيدين، يبقى اللاجئون الفلسطينيون في لبنان أمام تحديات معيشية واقتصادية متفاقمة زادتها الحرب الأخيرة تعقيداً، فيما تتجدد الدعوات لاعتماد معايير أكثر عدالة وشمولاً في توزيع المساعدات، تأخذ في الاعتبار حجم الأعباء التي تحملتها مختلف المخيمات والتجمعات الفلسطينية، سواء كانت متضررة بصورة مباشرة أو غير مباشرة من تداعيات الحرب.