عبد الهادي محفوظ
على هامش “اتفاق النوايا” بين واشنطن وطهران تسارع دول المنطقة على اختلافها لمعرفة موقعها في الترتيبات والتوازنات المستقبلية وتحديدا في “النظام الاقليمي”.
بعض الأنظمة العربية وخصوصا الخليجية منها يوسّع شبكة الأمان الأمنية والسياسية باتجاه روسيا والصين وتركيا ومصر وباكستان بحيث لا يقتصر الأمر كما كان على واشنطن. وعموما ثمة استنتاج خليجي أن هناك حاجة متزايدة بفعل الحرب الأميركية-الايرانية تدور في إقامة توازن ما وخصوصا بعد مشاركة دولة قطر وباكستان في تذليل العقبات أمام “اتفاق النوايا” وفي توسيع دور الدولتين في الإشراف وفي معالجة هادئة لأي خلاف في تفسير بنود “الإتفاق” في اللجان المتعددة في كافة المجالات.
توسيع الدور الخليجي من الدول الثلاث المملكة العربية السعودية وقطر ودولة عمان باتجاه دور ما في إعادة تشكيل النظام الاقليمي سيّما في جانبه العربي ما كان يمكن أن يتم لولا “اتفاق النوايا”. من هنا أهمية المقاربة العربية الرسمية للنظام الاقليمي وضرورات أن يكون الجانب الأميركي والايراني جزءا منه لا على تعارضات معه وخصوصا في سياق حساب مرجعيات فكرية وغير فكرية خليجية ترى أن واشنطن تؤثر الإنسحاب العسكري والسياسي من المنطقة باتجاه غرب آسيا ما يفرض أيضا لزوم استبعاد ايران من أن تكون الطرف المؤثر في النظام الاقليمي. وواقع الأمر أن مثل هذه المقاربة هي في غير مكانها لا في الإستنتاج بأن واشنطن تغادر المنطقة ولا في إمكانية تحييد ايران أو استبعادها. عدا عن ذلك غياب إجماع خليجي على “المقاربة” وتباينات في أكثر من اتجاه في ترتيب الأولويات الخليجية.
والسؤال الذي يتناول النظام الاقليمي العربي يحتاج بدوره إلى الإنفتاح في إعادة تشكيله على دول المغرب العربي التي بدورها تحكمها الخلافات والتباينات حتى في الدائرة المغاربية الواسعة وأيضا على دول المشرق العربي في سوريا ولبنان والأردن والعراق والتي تحكمها هواجسها المحلية وانقساماتها ونزعتها الفطرية. وكل ذلك يعني الحاجة إلى نظرة شمولية عربية غير متوفّرة حاليا وحتى في المدى المنظور ما لم تطرأ تغييرات بنيويّة في مكوّناته وكذلك في بنية الجامعة العربية ورسم الأهداف الجامعة والوصل مع ما تفكّر فيه الشعوب العربية ونخبها ومؤسساتها الإعلامية والثقافية والنقابية والإجتماعية وكذلك في تفعيل دور المرأة والشباب وتوظيف المواقع الالكترونية العربية ومعها مواقع التواصل الإجتماعي كأدوات جمع على مستوى الأهداف. ومن هنا أهمية الدور الإعلامي في صناعة الرأي العام العربي. وهذا ما كان مستبعدا في التوجّهات الرسمية العربية التي كانت تسعى إلى ان تكون وظيفة الاعلام محصورة بخدمة النظام السياسي. فالمرحلة الراهنة تقتضي “إضافات” على وظائف الاعلام الرسمية باتجاه الإغتراب وباتجاه الخارج الدولي والغربي ليكون مصدرا مؤثرا للمعلومات عن المنطقة وما يمليه ذلك من مراجعات نقديّة وحرية إعلامية مسؤولة.
وحقيقة الأمر هناك ما قد يبشّر بمراجعات عربية رسميّة بدأت في اجتماعات وزراء الخارجية العرب في عمّان منذ أيام معدودة وتمّ فيها بالإجماع تسمية وزير الخارجية المصري السابق نبيل فهمي أمينا عاما للجامعة العربية خلفا للأمين الحالي للجامعة أحمد أبو الغيط الذي لفت النظر إلى التحديات الحقيقية التي تواجهها الجامعة بقوله “إن صيانة وتعزيز الأمن القومي العربي هو التحدي الأكبر أمامنا. فالمنطقة محاطة بحزام من النار ومهددة باستقرارها ومستهدفة في مقدراتها ومحرومة من تحقيق المكانة التي تستحقها…”. توصيف أبو الغيط هو في مكانه. فهو أشار إلى عوائق في كون الأولويات ليست متطابقة. وما يفترضه ذلك من معالجات.
وأيضا كان هناك مداخلة جزئية لوزير الخارجية الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح الذي لمّح إلى محدوديّة منظومة العمل العربي المشترك في إطار جامعة الدول العربية ما يستوجب مراجعة صريحة ومسؤولة. فلقد أثبتت عجزا واضحا عن مواكبة التحديات المتسارعة والقيام بدور فاعل في صون الأمن العربي.
الأمين العام الجديد نبيل فهمي مدرك بأن المؤسسات الحالية للجامعة العربية بحاجة إلى تطوير. فهو يعتقد “بتعزيز المؤسسات وبناء الرؤى المشتركة والعمل على مستقبل أكثر أمنا واستقرارا وازدهارا”.
لا شك أن نبيل فهمي محيط لصعوبة المسار الإصلاحي للجامعة. فالأمر يرتبط بدوره إلى المدى الذي يذهب إليه قادة الأنظمة في إدراك التحوّلات العميقة وفي التخلّي عن جزء بسيط من “وصاياتهم” على قرارات الجامعة وفي إتاحة توجّه إعلامي جديد لها لا يصادر أي نقد إيجابي فيلقى إجماع الإعتراض عليه من “الجامعة” استنادا إلى “وثيقة اعلامية” ترتبط بالماضي وتخالف القواعد الاعلامية العالميّة وقوانين الاعلام المرئي والمسموع ومرجعيات القرار الاعلامي.