قاسم س. قاسم
لم يكن لبنان غائباً عن العين الإسرائيلية يوماً. فمنذ ما قبل «التأسيس»، كان هذا البلد هدفاً للتجسّس ولتنفيذ عمليات استهدفت المدنيين والمنشآت الاقتصادية. وقصة التجسّس على لبنان ليست جديدة، ولم تبدأ مع الاجتياحات والحروب بعد عامَي 1978 و1982. وما لا يلتفت إليه كثيرون أن التجسّس الإسرائيلي أقدم من ذلك بكثير، حتى قبل إعلان دولة إسرائيل عام 1948.
في كتابه «جواسيس بلا وطن»، الصادر عام 2019، يقدّم الكاتب ماتي فريدمان نظرة إلى كيفية عمل «الوحدة العربية» في «الهاغاناه»، التي أصبحت منذ تلك اللحظة جزءًا أساسيًّا من جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، وتحديدًا لمن يُعرفون اليوم باسم وحدة «المستعربين». ويضيء الكاتب على أربع شخصيات يهودية شرقية من دول عربية: إسحاق شوشان، وغملئيل كوهين، وهافكوك كوهين، ويعقوب كوهين. هؤلاء وُلدوا في دول عربية، وتكلّموا العربية بلهجات أهلها، وعاشوا في أحياء العرب وأسواقهم، قبل أن يصبحوا في صلب «القسم العربي» في «البلماخ»، الذراع الخاصة لـ«الهاغاناه» التي سبقت تشكيل الجيش الإسرائيلي الحالي.
اعتمد الكاتب بصورة أساسية على مقابلته مع إسحاق شوشان، أحد الجواسيس الذين بقوا أحياء. يُظهِر الكتاب ما كان يعانيه اليهود الشرقيون (المزراحيم) من تمييز عنصري مارسه المجتمع اليهودي ضدهم. ففي ذلك الزمن، كان 9 من كل 10 يهود من أوروبا، وكان اليهود العرب الموجودون منبوذين. ويوضح الكتاب نظرة إسرائيل إلى لبنان: ساحة رخوة يمكن اختراقها، وميناء وحدود يجب أن تكون تحت العين منذ اللحظة الأولى، خاصة أن هذا البلد الصغير تمتّع بحرّية صحافة كبيرة، وهرب إليه عدد كبير من قيادات حركات المقاومة العربية.
كانت مشكلة الحركة الصهيونية في قدرتها على اختراق المجتمعات العربية، ومنها لبنان، واضحة؛ لأن قادتها وعناصرها أوروبيون، لغتهم غريبة عن المحيط وملامحهم مختلفة. وكان الحل بسيطًا: استخدام اليهود الشرقيين الذين عاشوا في البلدان العربية جسورًا للاختراق، ومن هنا وُلد، في قلب «البلماخ»، «القسم العربي». وكانت الفكرة هي الاستفادة من الشبان اليهود الآتين من حلب واليمن والقدس، ممن نشأوا في بيئة عربية، ويملكون لهجة أهل الشام أو الجزيرة، ويمكنهم المرور في الشارع العربي دون أن يلتفت إليهم أحد، وهم يبدون كأي لاجئ أو تاجر أو عامل.
يروي إسحاق شوشان، في اللقاء الذي أجراه معه الكاتب، كيف تدرّبوا في معسكرات «البلماخ»، وكيف كانت مقسومة إلى قسمين: أشكيناز ومزراحيم، وكيف كان «القسم العربي» يمارس الطقوس العربية حتى داخل المعسكر، من صقل اللسان العربي بلهجات محدّدة: شامية، وفلسطينية، ويمنية، مرورًا بحفظ آيات من القرآن وأدعية شعبية، والتدرّب على أداء الصلاة والحضور في المساجد، إضافة إلى بناء هويات كاملة: أسماء عربية، وعائلات وهمية، وسير ذاتية مفصّلة، وقصص شخصية جاهزة لأي استجواب، وصولًا إلى طريقة صنع القهوة وغليها.
هذه التدريبات، وفق ما أثبتته تجربتهم لاحقًا، هدفت إلى صناعة «مستعربين» قادرين على العيش سنوات بين العرب، والانتقال من حيفا إلى بيروت ودمشق وعمّان، دون أن يشك أحد في هويتهم الحقيقية.
لم يكن عمل شوشان ورفاقه محصورًا في العمليات الأمنية فقط؛ إذ طُلب منهم الانضمام إلى الحزب «السوري القومي الاجتماعي»، والمشاركة في نشاطاته لمعرفة ما يقولونه عن «المسألة اليهودية»
قبل النكبة، وعندما تيقّنت قيادات الحركة الصهيونية أن المواجهة المقبلة لن تبقى داخل فلسطين، محصورة بين «الهاغاناه» والمقاومين، وأن جيوشًا من مصر وسوريا ولبنان والأردن ستدخل المعركة، حرّكت القيادات الصهيونية أدواتها الأمنية باتجاه لبنان.
ففي الشمال، الجبهة السورية-اللبنانية، والساحل المتصل مع فلسطين، ومن الحدود الشمالية، يمكن مرور السلاح والرجال. وهناك مرافئ قريبة من حيفا وعكا، وحدود متصلة بين الجليل والجنوب اللبناني. أضف إلى ذلك أن عددًا كبيرًا من الفلسطينيين، بعد بداية معارك النكبة عام 1948، توجّهوا إلى صور وصيدا وبيروت؛ لذلك كان لبنان بيئة صالحة للتسلّل وبناء محطات عمل أمني.
إسحاق شوشان نموذج لأوائل «المستعربين». شاب سوري من حلب، وُلد عام 1924، انتقل إلى فلسطين، والتحق بـ«القسم العربي». كانت مهمته الأولى في ميناء حيفا، حيث وجد نفسه هناك مع اشتداد المعارك. وطُلب منه الاندماج في قوافل الفلسطينيين الفارّين شمالًا إلى لبنان. جلس مع اللاجئين على الطريق نفسها مع عشرات آلاف الفلسطينيين، من حيفا إلى صور ثم بيروت. على الورق، هو لاجئ عربي هارب من المجزرة، أمّا في الحقيقة فهو عين «الهاغاناه» في لبنان.
في بيروت، لم يختبئ شوشان في الظل، بل العكس تمامًا؛ استقر في حي فقير استقبل اللاجئين، وكان مطلوبًا منه فتح دكان في وسط بيروت لبيع الصحف والمشروبات والوجبات السريعة. والهدف كان الحصول على الجرائد اللبنانية والعربية وإرسالها إلى إسرائيل، لتعرف «الهاغاناه» ما يقوله العرب. كان الكشك نقطة احتكاك دائمة مع الناس: اللاجئين، والعمال، والتجار، وأحيانًا مع عسكريين وضباط. ومن وراء «ثلاجة المشروبات» وطبق السندويشات، كان شوشان يلتقط الأخبار الصغيرة التي تصنع الصورة الكبيرة: أين تجمّع اللاجئون؟ مَن يدخل إلى المخيمات؟ مَن يمرّ إلى فلسطين؟ ماذا يقول الناس عن الجيوش العربية وقياداتها؟ كما طُلب منه إرسال تقارير عن المزاج الشعبي العام في بيروت.
وفي وقت لاحق، اشترى شوشان مع رفاقه سيارة «سرفيس» تعمل بين بيروت ودمشق وعمّان. وكانت السيارة غرفة عمليات متنقّلة: من بيروت إلى دمشق وعمّان، يسمع شوشان ورفاقه كل شيء؛ أحاديث الجنود على الحواجز، وقلق الضباط من المعركة المقبلة، وشكاوى الناس من الجيوش، وأسماء الأماكن والوحدات والتشكيلات. وكل هذا يتحوّل إلى تقارير تُنقل إلى المُشغِّلين في فلسطين.
ومن بين العمليات التي نقلها الكاتب عملية استهدفت مرفأ بيروت: سفينة ألمانية كانت ملكًا لأدولف هتلر، حملت اسم «Aviso Grille». اشترى السفينة رجل أعمال لبناني، وكانت تقديرات «الهاغاناه» أنها في طريقها إلى الملك فاروق في مصر، وربما تُستخدم قاعدة بحرية متقدّمة ضد إسرائيل. والمعلومة، كما روى شوشان، وصلت إلى تل أبيب عبر شبكة الجواسيس في بيروت، وكان التكليف واضحًا: إغراق السفينة.
ليلة العملية، تسلّل شوشان مع غطّاس آتٍ من فلسطين إلى داخل المرفأ. حمل الغطّاس العبوات، وثبّتها تحت بدن السفينة، ثم انسحب. بعد الانفجار تعطّلت السفينة، ولم تصل إلى مصر.
وعلاوة على استهداف السفينة، خطّط رفاق شوشان لاستهداف مصفاة النفط في طرابلس لمنع تدفق النفط العراقي إلى لبنان، إلا أن العملية لم تحظَ بموافقة قيادة «الهاغاناه» في فلسطين المحتلة. وحينئذ لم يكن عمل شوشان ورفاقه محصورًا في العمليات الأمنية فقط؛ إذ طُلب منهم الانضمام إلى الحزب «السوري القومي الاجتماعي»، والمشاركة في نشاطاته لمعرفة ما يقولونه عن «المسألة اليهودية».
نقل فريدمان في كتابه قصة شوشان ورفاقه الأربعة: كيف عاشوا في لبنان وأُعجبوا بنسائه، وكيف لم يتمكنوا من الزواج لأنهم كانوا يعلمون أن وجودهم مؤقّت، وكيف كاد بعضهم يُفتضح لأن شقيق إحدى الفتيات رآهم معًا. الجواسيس الأربعة الذين يروي الكتاب تجربتهم لم ينفّذوا عمليات كبيرة، لكنهم كانوا النموذج الذي بُنيت عليه لاحقًا وحدات «المستعربين»، وربما يوجد اليوم عشرات مثل شوشان.
* صحافي فلسطيني مُتخصِّص في الشأن الإسرائيلي