أسعد أبو خليل
خيارات الحزب ومآلاته؟ (2)
1) لا زلتُ في معرِض الحديث عن خيار النزول تحت الأرض والعودة إلى العمل السرّي للحزب. ومن فضائلِ هذا الخيار (الذي تنعّمَ الحزب به – وعانى- في حقْبة الثمانينيّات وحتى التسعينيّات) أنّه كان معزولاً عن بازار العمل السياسي المبتذَل، وعن الانخراط في تشكيل الحكومات واختيار الرؤساء وما يحمله ذلك من كسْب نقمة شعبيّة وطائفيّة بسبب التحالفات والخيارات. لكنّه كان في مأمن من العمليّات الأمنيّة التي حاولت أن تستهدفه.
وفي هذه الفترة الحاليّة بالذات، وبناءً على تجربة المشاركة في الحكومة بعد الحرب المُدمِّرة، لا يمكن الحُكم على نجاح التجربة بالنجاح في ظلّ موازين القوى المتغيّرة جذريّاً. والحزب اقترعَ لجوزيف عون الذي تموضعَ (منذ ورود اسمه قبل سنوات كمرشّح رئاسي) في الخندق المواجه للحزب وهو جاهرَ بموقفه في مقابلته السنويّة الأخيرة، عندما تحدّثَ عن الحزب وجمهوره كـ«الطرف الآخر».
ووزيرا الحزب في الحكومة ليسا فعّالَين أبداً: قارنْ وقارني الأداء الفعّال -من حيث النقل القوي والدائم لوجهة الطرف السياسي الذي يمثّله الوزراء- مع وزيرَيِ الحزب ووزيرَي «أمل». لم يخطرْ لوزير الصحّة أن يردَّ على طروحات وزير خارجيّة «القوّات» إلّا قبل أيّام وبعد أسابيع من إطلالة الأخير أمام حفل للذراع الفكريّة للّوبي الإسرائيلي في واشنطن. وهناك الحِلف القوي بين الحزب والحركة، والطرفان (على ما يُقال لنا دائماً) واحدٌ والثقة بينهما كاملة، فلماذا لا يترك الحزب التمثيل السياسي للحركة، خصوصاً أنّ الحليف أمهر من الحزب في اللّعبة السياسيّة بكثير نظراً إلى تمرّسه وإلى إلمام برّي بشؤون الدولة وإلى مهارته في اجتراح مخارج وحلول لصالح الدولة (أو لصالح الحليفَين لأنّ الحزب لا اعتراض له البتّة على أداء برّي السياسي.
وكلام محمد رعد ونعيم قاسم في الثناء على برّي لا يترك مجالاً للشكّ ويدحض محاولات الإعلام الخليجي إثارة الفرقة بين الطرفَين)؟ الحزب (مع استثناءات) لم ينجحْ في اختيار وزرائه ونوّابه وخلافاً لـ«القوات» (التي تتقن اللّعبة السياسيّة والإعلاميّة والانتخابيّة، وتتفوّق فيها على باقي الأحزاب والتنظيمات) لم يدرك أنّ دور الوزراء والنوّاب هو إعلام وعلاقات عامّة قبل أي شيء آخر.
التشريع في مجلس النوّاب ضعيف في لبنان (معظم ما يقوم به نواب التغيير هو تقديم أسئلة واعتراضات وتدبيج عرائض) ويأتي التشريع دائماً وفْق أوامر من فوق (سوريّة أو سعوديّة أو أميركيّة أو إسرائيليّة في المرحلة الأخيرة). والحزب ارتضى، في عهد نصرالله، أن يترك مهمّة شرح وجهة نظر الحزب للأمين العام في إطلالاته، لكن حتّى تلك لم تكن تكفي في عصر طغيان فضائيّات أخبار تضخّ البروباغاندا المُعادية على مدار الساعة.
2) خيار الاستمرار على النهج القديم، وهذا الخيار يبدو أنّه السائد: يستمرّ الحزب في الانخراط الكامل في العمليّة السياسيّة مع تمثيل سياسي متواضع (أصغر من حجم التمثيل الشعبي والرقمي بكثير) في الحكومات وفي الاتّكال على الحليف الشيعي لإيجاد حلول مؤقّتة (لأنّ كلّ الحلول في لبنان مؤقّتة -على طريقة المادّة الـ95 في الدستور القديم- لأنّ الحلول النهائيّة تتطلّب توافقاً وطنيّاً وطائفيّاً غير موجود).
وفي هذا الخيار، يكون الحزب مُشاركاً في عمليّة سياسيّة يخطّطُ لها (بالتفصيل) أعداؤه الإقليميّون والدوليّون، وليس خافياً أنّ سياسات العهد ليست إلّا توفيقاً وتوليفاً بين ما تطلبه السعوديّة وما تطلبه أميركا التي تنقل طلبات إسرائيل بحذافيرها. هذا الخيار يعكس تمسّك الحزب بالنظام الذي دخل فيه، وبقوّة، بعد اغتيال الحريري. وهو أمسك بزمام السلطة أمام الاحتجاجات بعد الانهيار في 2019. يريد الحزب أن يحافظ على التوازنات الطائفيّة ويمنع الانهيار أو النزاع الطائفي. طبعاً، شارك الحزب، مثل غيره، في المحاصصة والمغانمة وإن بدرجة أقلّ (أقلّ من حليفه الشيعي مثلاً). المشكلة أنّ الخيار هذا بات محفوفاً بالمخاطر بالنسبة إلى الحزب لأنّ الدولة اليوم باتت تأتمر من أميركا والسعودية وحتى من إسرائيل (عبر الـ«ميكانيزم»، العسكري والمدني).
لم يعد للحزب تمثيل في أجهزة الدولة المُقرِّرة، وحتى «أمل» فقدت الكثير من نفوذها في الدولة. أميركا تأمرُ فتُطاع. إنّ منْع الطيران الإيراني المدني هو انعكاس لحالة الضعف للحليفَين. ليس هناك من مبرّر قانوني أو منطقي لمنع الطيران المدني أو لإخضاع الوفود الإيرانيّة لتفتيش دقيق فيما يسيطر حلفاء إسرائيل (أميركا أولاً) على مرافق الدولة. يجول السفير الأميركي على مرافق الدولة ووزاراتها ويبحث في كلّ جوانب السياسات فيما يصبح تصريح إيراني عن دعْم لبنان تدخّلاً سافراً في شؤونه.
يتمنّى الحزب -أو هكذا يتراءى لي- أنّ الأولويّة تكمن في «تقطيع المرحلة» لكن هذه مرحلة ليست كسابقاتها. المرحلة قد لا تقطع ولو تغيّر ترامب. لا ننسى أنّ بايدن لم يعكس أيّاً من سياسات ترامب حول الشرق الأوسط، بل سعى جهده للبناء عليها