عبد الهادي محفوظ
يتأرجح الاعلام في لبنان بين وظيفة البناء ووظيفة الهدم. صحيح أن الاعلام اللبناني هو وحده في الاقليم الذي يرتكز إلى كونه إعلاما حرا. وهذا ما أعطاه قبل الحرب الأهلية في العام 1975 ميزة خاصة كون الاعلام العربي عموما هو اعلام الحاكم. غير أن الحرب الأهلية استدرجت الاعلام اللبناني إلى زواريب الحرب ففقد ميزته ووقع في الفخ الطوائفي حيث انتشرت المؤسسات الاعلامية الطوائفية وخاضت ’’حروبا اعلامية‘‘ تعمّق الإنقسام اللبناني وتؤسس للدويلات الطوائفية.
صحيح أن الاعلام اللبناني التقليدي تراجع دوره. وأصبح ’’مركز الاعلام‘‘ في مكان آخر. هو المكان الخليجي حيث تتحكم دوله بالاعلان والتمويل وحيث عزّزت دور الاعلام المرئي عبر قناتي الجزيرة والعربية. كما أن دبي كانت السبّاقة في إقامة المدينة الاعلامية مستفيدة من الكفاءات الاعلامية اللبنانية ومعها القنوات الخليجية… واستطرادا ذهبت دول الخليج حاليا في استثمار ذكي للذكاء الاصطناعي فيما لبنان يغرق في خلافاته وانقساماته وتغيب الدولة – عفوا السلطة السياسية – عن تطبيق القانون في حال المخالفات المرتكبة بالإثارة السياسية والطوائفية والإساءة إلى الآخر وفبركة الأخبار الكاذبة والمضللة.
فرصة أن يستعيد الاعلام اللبناني مكانته ترتبط إلى حد بعيد ببناء الدولة المغيّبة لصالح السلطة السياسية الطوائفية. وهذه مسألة أدركها الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون بخطاب القسم عبر خريطة الطريق التي رسمها لبناء الدولة. لكن الاستعصاءات أمام ’’خريطة الطريق‘‘ هذه كثيرة. وهي نفس الاستعصاءات التي واجهت الرئيس الراحل الجنرال فؤاد شهاب. وعلى رأسها السلطة السياسية نفسها التي ركيزتها الأساسية النظام الطوائفي وقاعدته ’’المحاصصة‘‘ والاعلام الطوائفي وحاجة هذا النظام إليه.
وهنا قد تكون محاولة الرئيس جوزاف عون تفعيل الاعلام الرسمي عبر تلفزيون لبنان والاذاعة الرسمية والوكالة الوطنية للاعلام في مكانها. لكن هذه المحاولة غير كافية مع أن الوكالة الوطنية للاعلام ناجحة في كونها المصدر الأساسي للمعلومات. كما أن تلفزبون لبنان يتطوّر باتجاه برامج حديثة مثل التعريف بالمدن والبلدات اللبنانية صباحا وبالتركيز على الأطفال والمرأة وبفسح المجال أمام نخب فكرية لا تنتسب إلى الفرقاء الطوائفيين. ومع ذلك تبقى محاولة التحديث محدودة. ذلك أن المؤسسات الاعلامية الرسمية تحتاج إلى تمويل غير متوفّر وإلى ’’رؤية اعلامية‘‘ وإلى ايجاد علاج حقيقي للرواتب المتدنية للعاملين فيها وإلى توظيف كفاءات اعلامية خارج الحسابات الطوائفية.
ما يحتاجه الاعلام حاليا هو تدخّل الرئيس جوزاف عون مباشرة ودعوة السلطة السياسية لرعاية المشترك بين اللبنانيين وتطبيق القوانين وتشجيع الاعلام التقليدي أي الصحافة المكتوبة في التحوّل إلى اعلام استقصائي ورؤيوي وتحليلي كما الإهتمام بالاعلام الالكتروني الذي هو اعلام اللحظة واعلام السرعة واعلام الانتشار واعلام الذكاء الاصطناعي كما هو الاعلام الأقل كلفة… إضافة إلى كونه اعلام الإشاعة.
وما يستطيعه الرئيس عون هو تسريع إقامة المدينة الاعلامية في لبنان وفتح المشاركة أمام الرساميل العربية في الاعلام المرئي. فهذه المدينة قادرة على تشغيل 3000 اعلامي ومصوّر ومخرج ومنتج كما أنها – وفقا لدراسات – يمكن أن تدر ما يتجاوز الخمسة مليار دولار. فمستقبل لبنان مربوط بدوره الاعلامي. وهذه فرصة أكثر من متوفرة يا فخامة الرئيس.