آخر الأخبار

نحو صيغة برنامجية كفاحية

1

سعد الله مزرعاني

في مقالي السبت الماضي («الأخبار» 24/1/2026)، تناولت ما آل إليه وضع «الميكانيزم» (الأميركية بالأساس) من فشل وتعطيل. السبب لهذين، هو استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، خلافاً لقرار «وقف الأعمال العدائية» الصادر في 26 تشرين الثاني 2024. أذاع ذلك القرار، شخصياً، الرئيس الأميركي جو بايدن. شكلت واشنطن لجنة «مراقبة» التنفيذ وترأستها. بالتوازي، عقدت واشنطن مع تل أبيب (كما أعلنت تل أبيب نفسها) اتفاقاً/خدعة لتحويل «وقف الأعمال العدائية» إلى اتفاق يسري على لبنان والمقاومة حصرياً. بموجب هذه الخدعة تمكنت تل أبيب من الاستمرار في الحرب: توسعاً وتدميراً واغتيالات.

تولّت واشنطن دائماً، كذلك لجنة «المراقبة» التي يترأسها مبعوث أو جنرال أميركي، تبريرَ وتغطية الانتهاكات الإسرائيلية. في معطيات مشابهة وفي وقت لاحق، تكرر هذا الأمر في غزّة، حيث واصلت تل أبيب، هناك أيضاً، عدوانها الوحشي الإبادي على الشعب الفلسطيني. في غزة تمثّل الطرف الأميركي، أيضاً، برئيس الولايات المتحدة الجديد وبمبعوثيه. وهو يصنّف نفسه متفاخراً، ويصنّفه نتنياهو متباهياً ومتملقاً، بأنه أكثر رؤساء الولايات المتحدة دعماً لإسرائيل. الرئيس ترامب عبّر بالفعل عن ذلك، في كل مواقفه الداعمة للمجازر الإسرائيلية وتوعّد بالمزيد منها للغزيين إذا لم يستسلموا. «خطته» بشأن غزة تجسد الانحياز الكامل والدائم للعدو.

بديل واشنطن لتعطيل «الميكانيزم» في لبنان، أسوأ بما لا يقاس من حيث التركيب ومستوى التمثيل والأهداف. إنها مقاربة شاملة، كما يتضح من الضغوط والتهديدات الأميركية والاعتداءات الإسرائيلية المتعاظمة. الغاية، وبأسرع وسيلة ممكنة، تحقيق الأهداف الإسرائيلية في لبنان، بما يتخطى التطبيع عبر تحويله إلى محمية إسرائيلية أسوأ، حتى، مما مثّله اتفاق 17 أيار لعام 1983.
الرد على التعطيل ليس من النوع الإجرائي لجهة اقتصاره على مسألة «الميكانيزم» وكيفية تفعيلها أو تصويب عملها. هذا أمر تخطاه الطرفان الأميركي والإسرائيلي من خلال العدوان والضغوط والإملاءات: لفرض صيغة «تفاوضية» سياسية إلحاقية تطبيعية مباشرة بـ«رعاية» واشنطن وعضوية تل أبيب وبيروت! كيف يكون الرد إذاً؟

من نافلة القول إن السلطة الحالية هي إحدى الثمرات المرّة للعدوان الإسرائيلي والضغوط الأميركية. وهي، بالتالي، ليست طرفاً منخرطاً (أو حتى راغباً) في تمثيل المصلحة الوطنية اللبنانية وفق الشروط والكيفية المطلوبة. ما تبديه من التردد هو من قبيل المناورة لتهيئة الانتقال إلى الموافقة! لكن ثمة مشكلة لا ينبغي تجاهلها والتقليل من خطورتها. إنها تتمثل في غياب قوة لبنانية فاعلة (باستثناء المقاومة) تحاول تدارك جنوح السلطة اللبنانية نحو تقديم تنازلات جسيمة وخطيرة.

وتتصدى، بالتداعي وبالضرورة، للمخطط الأميركي الصهيوني في لبنان والمنطقة. إنه لمن المؤسف جداً، أن هذه القوة، بالمعنى الذي نتناوله هنا، هي شبه غائبة أو غائبة بالكامل! هذا الخلل يعاني منه العمل الوطني في لبنان، على الأقل، منذ اندلاع أزمة النهب الشامل والانهيار الكامل بدءاً من أواخر عام 2019. وهو مستمر ومتفاقم حتى اليوم، حيث يتعاظم خطر العدوان الأميركي الإسرائيلي، وتتوسّع استهدافاته للبنان وللمنطقة العربية والشرق أوسطية عموماً.

من نافل القول، إذاً، إن المواجهة المطلوبة ليست مجرد اقتراحات أو تحسينات إجرائية على عمل «الميكانيزم» لكي تبقى دون تعديل، وعلى قراراتها لكي تنسجم ولو بالحد الأدنى، مع قرار «وقف الأعمال العدائية» بين لبنان وإسرائيل، كما تحددها نصوصه. إن فترة «الفراغ الوطني» قد راكمت جملة سلبيات وخسائر. وهي تصبح أكثر تكلفة بالمقارنة مع ما يتعرض له لبنان من مخاطر قد لا تتوقف عند حدود من حيث نتائجها على سيادته ووحدته الوطنية وعلى وجوده من الأساس!
لقد رتَّب غياب «مشروع وطني» ذي مرجعية قيادية وخطة وأولويات، نتائج خطيرة حتى الآن. الخسائر المتوقعة والداهمة الناجمة عن استمرار غيابه هي، بالتراكم، وبتصاعد الاستهداف، أكبر وأفدح بما لا يقاس.

أمّا بشأن البرنامج الوطني المطلوب، فيمكن اختصار عناوينه الأساسية على النحو الآتي:
أولاً، ممارسة ضغط سياسي وشعبي مضاد من أجل منع السلطة من المضي في تقديم المزيد من التنازلات.
ثانياً، الرفض القاطع لتحويل الجيش اللبناني إلى حرس حدود للعدو، في نطاق جهد وطني واسع من أجل أن يتكامل دوره مع المقاومة والاعتراض الشعبيين، وليس العكس.
ثالثاً، إدانة ورفض الانحياز الأميركي للعدو، وصولاً إلى رفض «الوساطة/ الوصاية» الأميركية من أساسها واستبدالها بدور حصري للأمم المتحدة.

رابعاً، إدارة ورشة صلات مع أصدقاء لبنان لدعم هذا البرنامج سياسياً وإعمارياً. الجزائر، مثلاً، أبدت استعداداً ملموساً للدعم جرى تجاهله بضغط أميركي وبوضوح من قبل الحكومة!
خامساً، اعتماد خطة شاملة للنهوض الوطني وللتصدي للتبعية والتفريط والهدر والفساد والتسويف في معالجة آثار العدوان.
ينبغي الإشارة، بأسف شديد، إلى أن التعامل مع أسباب الغياب وتماديه وتعاظم خسائره، ما تزال قائمة رغم كل ما حصل. إن ارتكاب الأخطاء ليس هو الأخطر في مجرى العمل. هو يصبح كذلك إذا ما تحوَّل إلى نمط سلوك وتعامل في ظروف مصيرية كالتي يمرّ بها لبنان والمنطقة عموماً في المرحلة الراهنة.

من أجل هذا الهدف الوطني، الكبير والخطير والمصيري، الذي أوردنا عناوينه آنفاً، ينبغي أن تُبذل الجهود، وتنطلق المبادرات، وتُشحذ الهمم والقرائح… وتبدأ الخطوات الأولى التأسيسية!
* كاتب وسياسي لبناني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة