آخر الأخبار

الحرب على إيران: أُمّ المعارك!

1-rii6zewp1cqoyqtftyi8xtfupxump11pytnnxg6h68-riuei1kp5cq8afkcsdkw815vni4fvtsgpkhtgjt4s0

سعد الله مزرعاني

يخوض الرئيس الأميركي دونالد ترامب معارك تشمل العالم بأسره. بعضها موروث من الإدارات السابقة. تلك الإدارات، في طرفيها الديمقراطي والجمهوري، كانت تدير سياسات إمبراطورية اتّخذت، مع الزمن، طابعاً تقليدياً لجهة الحرص على تكريس قطبية منفردة ومتفرّدة في العالم. حصل ذلك خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية. غير أن هذه السياسة تعرّضت لتحدّيات في حقلي الإنتاج والتسويق خصوصاً، وكذلك في الحقل الأمني السياسي والعسكري. نشأت في السياق قوى منافِسة ذات حيوية لافتة. تبدّلت التوازنات يعززها نشوء سياسات وتكتلات وتحالفات تطرح بقوة وبمثابرة مسألة عدم جواز استمرار القطبية الواحدة. لعبت روسيا (بوتين) الدور المبادر في هذا المضمار.

أمّا في الشأن الاقتصادي فكانت الصين هي قوة المنافسة المتحدية الأساسية. في الأثناء كانت تتعاظم ديون واشنطن إلى مستوى غير مسبوق (بلغت 38 تريليون دولار). السياسة «التقليدية» التي أشرنا إليها آنفاً تكشّفت عن ثغرات قاتلة في بعض الحقول ومنها ضخامة الإنفاق الأميركي في الخارج على مسائل الأمن بشكل خاص حيث تنشر الولايات المتحدة شبكة غير مسبوقة في التاريخ من القواعد العسكرية. كذلك هي تتحمل العبء الأكبر والأضخم في تمويل المؤسسات الدولية.

الانتشار والتمويل في مضمونهما الأمني والعسكري والمالي، كانا جزءاً رئيسياً من شبكة قيام وترسيخ النفوذ والتأثير الأميركيين، وأحد تجلّيات ممارسة القطبية الوحيدة وإدامتها في كل المؤسسات. مكَّن ذلك واشنطن من أن تفرض هيمنة شاملة على الأمن الاستراتيجي الدولي وعلى مؤسسات الشرعية الدولية وعلى المنظومة المالية الدولية عبر عملتها وعبر منظومة «السويفت» التي تديرها وتتحكم عبرها، رغم التراجع، بالقسم الأعظم من حركة وحجم التبادلات العالمية.

اهتزاز التوازنات قاد، منذ بوش الأب (حرب عاصفة الصحراء) إلى بداية استراتيجية «وضع قوة أميركية متفوقة في خدمة اقتصادها». غزو أفغانستان والعراق واحتلالهما كانا حلقة أساسية في هذا المسار. الخيبات والخسائر التي نجمت عن هذه السياسة قادت إلى عودة الحزب الديمقراطي. اشتقّ الرئيس باراك أوباما مقاربة استراتيجية جديدة تقوم على عاملين: داخلي، عبر محاولة امتصاص نتائج الأزمة الاقتصادية بتخفيف الأعباء عن سواد المتضررين (Obamacare مثلاً). اقترن ذلك بتغيير الأولويات نحو محاصرة روسيا أمنياً (توسيع «الناتو» إلى الحدود الروسية)، ومحاولة احتواء الصين ومحاصرتها عبر تحالف يضم اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والهند وباكستان وأستراليا…
تفاقمُ العجز، والاختلال في الاقتصاد، دفعا بالاحتكارات وكبار الأثرياء وبالمجمع الحربي الصناعي الأميركي، إلى استحضار عامل القوة العسكرية الأميركية، مرة جديدة، كرافعة لتخطّي الأزمة الاقتصادية: ترامب هو رجل المرحلة! لم تسعفه جائحة «كورونا» ورعونة تعامله معها وأخطاء أخرى، من تجديد ولايته. في الولاية الثانية الحالية بدا أكثر استعداداً وتصميماً وشراسة.

شعاره وتدابيره منذ اللحظة الأولى، صبّا في نهج متكامل لإحداث انقلاب شامل في العلاقات الداخلية في الولايات المتحدة، وفي علاقاتها بالخارج. باشر سلسلة تدابير وإجراءات وسياسات في الداخل وفي الخارج: إعفاء كبار الأثرياء من الضرائب وتحميلها للفئات الوسطى والفقيرة. ممارسة عنصرية عدوانية حيال الهجرة والمهاجرين بمن فيهم أوساط واسعة من حملة الجنسية الأميركية. حظر وإقفال تامّان في وجه شعوب بأكملها. التخفف من أعباء الانتشار العسكري الأميركي إلا ما كان منه ضرورياً لخدمة أهداف السيطرة الاستراتيجية على مصادر الطاقة في مختلف دول استخراجها فضلاً عن ممرات نقلها وتسويقها واستخدامها. محاولة الاستيلاء على ثروات وسلع استراتيجية ونادرة في خدمة الطور الراهن من التقدم التكنولوجي (الذكاء الاصطناعي). السعي لضم بلدان، وترهيب وحصار أخرى.

الانسحاب من المنظمات الدولية وتهميشها. جعل الحماية التي كانت إحدى وسائل واشنطن في ممارسة الصراع الإيديولوجي والاستقطاب الكوني، عنصر ابتزاز وبلطجة حيال أقرب الحلفاء بمن فيهم الأوروبيون. العبث بمسألة الضرائب وإخضاعها للعبة الصفقات والابتزاز والتهديد. إدارة سياسات وأساليب حكم ديكتاتورية نرجسية مفرطة وتجاوز معظم صلاحيات المؤسسات واختصارها بشخصه وبفريقه…
وكان ترامب وداعموه قد اختاروا عناوين برّاقة في حملاتهم التعبوية: «إعادة أميركا عظيمة مجدداً»، وفي «خطاب الاتحاد»، قبل أيام، تحدّث ترامب عن «العصر الذهبي» الذي تمر به الولايات المتحدة في عهده الحالي.

احتل الشرق الأوسط موقعاً مهماً في النهج الترامبي. الحلقة الشرق أوسطية عقدة مهمة بسبب حضور العامل الصهيوني فيها، وبسبب الثروات الهائلة في مجال الطاقة التي تحاول واشنطن وضع اليد عليها كلها. يتسم السلوك الأميركي في منطقتنا بالإصرار والمثابرة وبالتهديد بالقوة أو باستخدامها مباشرة، أو عبر الوكيل الصهيوني كما لم يحصل في أي مكان آخر (إلا نسبياً في القرصنة ضد فنزويلا ورئيسها). تقود الإدارة الأميركية وحكومة الفاشية والفصل العنصري الصهيونية، هجوماً شاملاً في الشرق الأوسط. بعد حرب الإبادة في غزة، والتنكيل والتهجير والضم في الضفة الغربية، والعدوان على لبنان، والتوسع في الأراضي السورية… يتواصل الهجوم الشامل الأميركي الإسرائيلي في خرق الاتفاقات في لبنان وغزة. وهو يبلغ ذروته الآن، في محاولة إخضاع أو إسقاط إيران بالقوة أو بالتهديد بها.

إنّ إسقاط إيران سيمكّن واشنطن وتل أبيب من استباحة المنطقة بكاملها. ذلك أن أكثرية الأنظمة العربية أدمنت الخنوع والخضوع والتواطؤ، حتى حيال أبشع جرائم الإبادة التي استهدفت، ولا تزال، الشعب الفلسطيني، خصوصاً في غزة. وهي تجاهلت بشكل معيب ومريب مجاهرة قادة العدو بوضع مشروع «إسرائيل الكبرى» موضع التنفيذ وتبني السفير الأميركي لدى تل أبيب له. الأسوأ أن بعضها قد أسهم، في مجرى الإبادة، بتقديم عشرات المليارات لإدارة ترامب التي هي الراعي والداعم الأكبر للعدو في حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني.

إيران تواجه وضعاً صعباً وتحدّيات مصيرية مباشرة وغير مسبوقة. هي تتعامل مع ذلك بصبر ومرونة، من جهة، وبصلابة وتمسك بالثوابت الوطنية والدولية البديهية، من جهة ثانية. التهديد لا يقتصر على إيران وحدها. واشنطن تحاول، من خلال إخضاع إيران، إحكام سيطرتها على كامل المنطقة وبسط هيمنة العدو الصهيوني عليها. كذلك، فإن نجاح واشنطن سيكرّس، على الصعيد الدولي، منطق شريعة الغاب والتفرد و«حق» فرض السياسات بالقوة والعدوان. ذلك سيشكّل أيضاً، نكسة لمحاولات بناء قطبية دولية متعدّدة، وشرعية دولية أكثر عدالة وتوازناً. لكل ذلك لا ينبغي أن تُستفرد إيران وتُهزم!

* كاتب وسياسي لبناني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة