آخر الأخبار

قراءة في «عودة» المقاومة: لماذا الآن؟

3909307_1718783629-rhe6nq84qhoxxua89a5nswrez67jb2g7ct3b5n6vlc-1-rhsubgic0hey8lxcjah4aej7z6o8y86joxxqzu16cw

علي حيدر

في كل مرة يُطرح فيها احتمال ردّ من قبل حزب الله على الاعتداءات الإسرائيلية، يتكرر السؤال ذاته: لماذا الآن؟ كأن الزمن كان ساكناً قبل هذه اللحظة، أو أن الاعتداءات لم تكن تتراكم تباعاً، ولم تكن سياسة ضبط النفس خياراً قائماً طوال المرحلة الماضية.
السؤال في ظاهره منطقي، لكنه ينطوي على افتراض ضمني مفاده أن الردّ هو الاستثناء، وأن الامتناع هو القاعدة. بينما في سياق عدوانٍ مستمر، يبدو العكس أقرب إلى المنطق. فالامتناع الطويل هو الذي يحتاج إلى تفسير، لا قرار الردّ.

خلال المدة الماضية، لم يكن غياب الردّ الواسع تعبيراً عن عجز أو نتيجة فقدان أدوات. من تابع مسار المواجهة، ولا سيما في أواخر معركة «أولي البأس» عام 2024، يدرك أن القدرة لم تكن غائبة. فقد اختلفت الصليات الصاروخية في الأيام الأخيرة للحرب عن بداياتها، من حيث الكثافة والمدى ومستوى التنسيق. غير أنّ القرار لم يكن تقنياً أو عسكرياً صرفاً، بل خضع لاعتبارات عملياتية وسياسية وشعبية متشابكة، حكمت إيقاع المواجهة وحدودها.

خرجت المقاومة من مرحلة قاسية استُنزفت فيها قدراتها وتعرّضت إلى ضربات موجعة، وكان من الطبيعي أن تُمنح مدة لإعادة الترميم والتنظيم، وتطوير أدوات المواجهة بعيداً عن ضغط الاشتباك المفتوح. بالتوازي، كان هناك بُعد داخلي لا يمكن إغفاله، تمثّل في محاولة تجنيب المجتمع كلفة توسيع العدوان، على أمل أن تستثمر الدولة هذه الفرصة لاستعادة شيء من ثقة شعبها.

لم يكن الرهان كبيراً، لكنه كان قائماً: هل يمكن وقف الاعتداءات عبر المسار الدبلوماسي؟ هل يمكن استعادة الأرض أو معالجة ملف الأسرى من دون تصعيد إضافي؟ بدا منطقياً اختبار هذا الخيار، باعتباره أحد تجليات عقلانية المقاومة وحكمتها. غير أنّ المشهد أخذ يتبدّل مع مرور الوقت. الاعتداءات لم تتوقف، بل توسّعت الخروقات وترسّخت وقائع ميدانية جديدة. عندها برز سؤال مختلف: هل فُهم ضبط النفس على أنه ضعف؟ وهل تحوّل التريّث إلى عامل يشجّع الخصم على مزيد من الضغط؟ في هذه اللحظة، يصبح استمرار الصمت مخاطرة بحد ذاته، لأن الردع لا يقوم فقط على امتلاك القدرة، بل على الصورة التي تتكوّن عنها في وعي الخصم.

المسألة ليست رغبة في الحرب بل لحظة توازن دقيقة بين حجم التضحيات ومستوى المخاطر

كان واضحاً أن المسار يتجه نحو لحظة حاسمة. وقد سبق للأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، أن أشار إلى أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر بلا سقف. ولم يكن كلامه تهديداً بقدر ما كان تحديداً لحدود زمنية لضبط النفس.

ثم جاء المتغيّر الإقليمي الأكبر: الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران. هذا التطور لم يخلق دوافع الرد من العدم، لكنه سرّع إيقاعها. ففي حسابات الصراع، يشكّل التوقيت عنصراً حاسماً. وعندما يكون الخصم منخرطاً في جبهةٍ يعتبرها أولوية استراتيجية، تتبدّل هوامش الحركة، إذ ليس من مصلحة أي طرف في لبنان أن تكون إسرائيل متفرّغة بالكامل لجبهتها الشمالية، بل أن تبقى موزّعة الانشغال والضغط.
وإذا أضيف إلى ذلك التطوّر البالغ الخطورة المتمثل في اغتيال مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران، علي خامنئي، فإن الصورة تصبح أكثر تعقيداً. غير أن اختزال قرار الردّ في هذا البعد وحده يُغفل حقيقة أن المسار اللبناني كان قائماً قبل الحدث الإقليمي، وأن التداخل بين العنوانين اللبناني والإقليمي لا يلغي استقلالية أحدهما عن الآخر.

أما السؤال المتكرّر حول جدوى الرد، فهو قديم يتجدّد في كل مرحلة. يُقال دائماً إن الضربات المحدودة لا تغيّر المعادلة. غير أن تجارب العقود الماضية تشير إلى أن التحوّلات الكبرى لا تنتج عن فعلٍ منفرد، بل عن تراكم أفعال. هكذا تكرّس الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، وتشكّلت معادلات الردع بعد حرب 2006 واستمرّت حتى عام 2023. في المقابل، فإن تقييم كل ضربة بمعزل عن سياقها التراكمي يفضي إلى قراءة مبتورة، وأحياناً يكون محكوماً بخلفيات غير بريئة.

في النهاية، المسألة ليست اندفاعاً نحو التصعيد ولا رغبة في الحرب، بل لحظة توازن دقيقة بين حجم التضحيات ومستوى المخاطر. وفي مثل هذه الحال، يتحوّل الرد إلى خيار ضرورة، وصولاً إلى مرحلة اللاخيار. عندها يصبح سؤال «لماذا الآن؟» أقل إلحاحاً من سؤالٍ أعمق: هل كان يمكن مواصلة الانتظار فيما يتصاعد العدوان الإسرائيلي؟

بهذا المعنى، يصبح التوقيت نقطة التقاء بين تراكمٍ لبناني داخلي ومتغيّرٍ إقليمي مسرّع أوجد ظرفاً أكثر ملاءمة للمقاومة. فيغدو الردّ امتداداً لمسارٍ بدأ يوم رُسمت حدود الصبر، وتبلور حين تغيّرت حسابات الكلفة والمخاطرة، ونضج في لحظة تقاطعٍ محلي – إقليمي.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة