آخر الأخبار

حين تصبح الحرّية أداة في مشروع الإمبراطورية

1

خريستو المر

عندما تتعرّض دولة ما لاعتداء عسكريّ أو اقتصاديّ من قِبل قوى خارجيّة كبرى، تحت شعار «تغيير النظام» أو «نشر الديمقراطيّة» أو «حماية الأمن الإقليمي» أو «تحرير الشعب»، فإنّ أولى الضحايا تكون السيادة. والسيادة ليست تفصيلاً تقنيّاً؛ إنها التعبير السياسيّ عن حقّ الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها. حين تشنّ عدوّتا شعوب هذه الأرض، الولايات المتّحدة الأميركيّة و«إسرائيل»، هجوماً على إيران بزعم السعي إلى «تغيير النظام»، فالسؤال الأساس ليس ما إذا كان النظام القائم بالفعل قمعيّاً أم لا، أو إن كان يعاني من اختلالات شتّى أم لا، وإنّما السؤال الحقيقي هو: مَن يملك الشرعيّة لتقرير هذا التغيير، وبأيّ وسائل؟

إنّ تغيير أيّ نظام هو حقّ الشعوب ذات السيادة. هو حقّ المواطنين والمواطنات، والحركات الاجتماعية، والمجتمعات التي تعيش يوميّاً تبعات الحكم. هذا التغيير ليس من حقّ دول خارجيّة تبني استراتيجيّاتها على السيطرة على الموارد، وترسيخ النفوذ. عندما تبادر قوى خارجيّة (في إيران أم في سوريا) إلى السعي لتغيير نظام، فإنّ حساباتها لا تكون أخلاقيّة وإنّما تكمن في كيفيّة استخدام هذا التغيير لدعم مصالحها، فكيف إن كانت تلك الدول الخارجيّة إمبراطوريّة كالولايات المتّحدة، أو استعماريّة كـ«إسرائيل»؟ هذه الدول لا تفكّر إلّا في طرق الإمداد بالمواد الأوليّة، وطرق التجارة، وأماكن التموضع العسكريّ، وكيفيّة الوصول إلى الطاقة وغيرها من المواد بالأسعار التي تريدها، وكذلك كيفيّة قمع أيّ معارضة لمخطّطاتها.

لقد أظهرت حروب الاستعمار الحديثة (العراق مثلاً) والقديمة أنّ التدخّل حين يُقدَّم بوصفه «تحريراً» أو «نقلاً للحضارة» يؤدّي بالفعل إلى تفكيك للبنى الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة للبلد المُهاجَم وإلى نهب ثرواته والمزيد من القمع بأجهزة جديدة. فعادة ما تنهار المؤسسات، وتتفاقم التوتّرات الطائفية أو الإثنية، وتتحوّل وعود «الحرّية» و«الحضارة» إلى مسألة ثانوية أمام الحاجة الملحّة إلى إعادة فرض النظام والأمن. ويُجري المنتصرون تقسيماً فعليّاً للدولة، أو يعملون على إضعافها إلى حدّ تفقد معه قدرتها على انتهاج سياسة مستقلّة، إذ تُستتبع لمركز الإمبراطورية وحاجاته، وحاجات ممثّليه الإقليميّين (إسرائيل في حالتنا، ودول الخليج التي تدور في فلكها).

ضعف الدولة المُهاجَمَة بعد الحرب ليس صدفة، بل جزء من التصميم الأساس للذين شنّوا الحرب. وعندما يكون الهدف الأعمق للحرب ضمان سيطرة طويلة الأمد على موارد المنطقة، وكسر أيّ مقاومة لمصالح الإمبراطورية، فإن تفكيك الدولة (أو إضعافها) يكون أداة لخدمة تلك المصالح. فالدولة المُمزّقة وتلك الضعيفة يسهل التحكّم بها، إذ يمكن للدول الاستعماريّة إدارة سلطات محلّية متنافسة (طائفيّة أو إثنيّة لا يهم)، والضغط عليها، وحتّى تمويلها بهدف الضغط عليها بالتهديد بإيقاف التمويل. عندها، يُحافظ على السيادة اسميّاً فقط بعد أن تُفرَّغ من مضمونها، إذ إنّ المتحكّم ليس الشعب وإنّما الطرف الخارجيّ.

قد يجادل أنصار التدخل في إيران بأن الأنظمة القمعية تشكّل خطراً على الشعب الإيرانيّ وأنّ هذا يبرّر مهاجمتها. غير أن هذا المنطق ينهار عند تعميمه. فلو أصبح مبدأ عاماً، لأصبحت الدول القوية مُخوّلة دائماً بغزو الأضعف استناداً إلى تقييمات ذاتية للحُكم في الأوضاع، ولساد منطق الهيمنة، وهو ما بقي سياسة مبطّنة للولايات المتّحدة حتّى مجيء الرئيس الحالي الذي تابع منطق الهيمنة لمن سبقوه بطريقة علنيّة وأكثر استباحة للقوانين الدوليّة.

القوى الخارجية لا تفعل سوى استبدال مجموعة مستفيدين بأخرى أكثر تمثيلاً لمصالح الخارج لا الداخل. إنّ الاستبدال عندها لا يتعدّى تغيير الوجوه المستفيدة، ليصبح هؤلاء أكثر خدمة للرعاة الخارجيّين، ويترسّخ بالتالي منطق إخضاع الشعب. التغيير الحقيقيّ في بلد لا يمكنه أن يكون مُرَشّحاً لأن يصبّ في مصلحة الشعب إلّا حين ينبع من الداخل. قد يكون التغيير الداخليّ أبطأ وأكثر تعقيداً، من التحوّل المفروض من الخارج، لكنه أكثر أماناً ويحمل الشرعيّة الحقيقيّة الوحيدة: الشعب نفسه هو مَن يعمل للتغيير، ويتحمّل المخاطر، ويجني الفوائد المحتملة، للتغيير الذي ينشده هو (أو تنشده الأكثريّة مهما كانت على خطأ). التغيير الداخليّ السياديّ يعكس حراكاً اجتماعيّاً، وتفاوضاً لمراكز القوى في المجتمع، على عكس الحرب الخارجيّة التي تعكس إملاءً أجنبيّاً لجني فوائد للخارج. التغيير الداخليّ يُنتِج مساءلة أمام المواطنين، لا ارتهاناً لرعاة خارجيّين.

إنّ التضامن الحقيقي مع شعب أيّ دولة لا يكون بالقنابل أو بالعقوبات الإجراميّة التي هي تقتل الناس بشكل بطيء، بل باحترام إرادة ذاك الشعب. التغيير المفروض من الخارج لا يحرّر المجتمعات، بل يعيد ترتيب النخب لمصلحة الخارج في الدرجة الأولى لتكون له الحصّة الأكبر من ثروات البلاد. مبدأ السيادة بسيط: الأنظمة تسقط وتنهض بإرادة شعوبها. عندما تدّعي دول أجنبيّة حقّ تغيير الأنظمة لنفسها، فإنها لا تدافع عن الحرية، بل تهدم السيادة وتشوّه معنى الحرّية لتصبح أداة في مشروع للسيطرة والإخضاع.

خلال هذه الحرب الهمجيّة الجديدة، ليس السؤال إن كنت مع أو ضدّ الحكم الإيرانيّ، وإنّما إن كنت مع أو حقّ تقرير الشعوب لمصيرها بنفسها أم لا، وبكلمات أخرى: إن كنت ضدّ الهجمات الإرهابيّة للمشروع الإمبراطوريّ الأميركيّ وتعمل ضدّ هذا المشروع أم لا؟
* كاتب وأستاذ جامعي

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة