آخر الأخبار

وليد الخالدي: ذاكرة قضيّة فلسطين

a02ad628-972d-4636-ad1c-724fcff4b459
أسعد أبو خليل

خسرت فلسطين وقضيّتها أمس أبرز قامة أكاديميّة فكريّة بوفاة البروفسور وليد الخالدي عن أكثر من مئة سنة، في مدينة كامبردج خارج بوسطن الأميركية.
ليس من المبالغة القول إنّ وليد الخالدي كرَّس كلّ حياته من أجل فلسطين. كلُّ من قابله في حياته أدركَ أنّ الرجل لم يتوقّف عن التفكير والكتابة عن فلسطين يوماً (نشرت «الأخبار» آخر مقالاته). وكان يكتبُ في السنوات الماضية حتى قبل أشهر فقط خواطر له تتعلّق بالقضيّة عبر قائمة «إيميل». «طوفان الأقصى» هزّه في الصميم وكتب عن شخصيّة يحيى السنوار.

وُلدَ وليد الخالدي في القدس لعائلة تمتدّ جذورها لقرون. والدُه، أحمد سامح الخالدي، كان مؤسِّس «الكليّة العربيّة» التي حدّثت مفاهيم التربيّة ووسائلها في العالم العربي. والدته إحسان عقل، وشقيقته سلافة الخالدي، وله إخوة غير أشقّاء: طريف وأسامة ورندة. تربّى في كنف زوجة أبيه، الكاتبة النسويّة الرائدة عنبرة سلام الخالدي. أدّى مدير التربية في فلسطين في عهد الانتداب، جي. بي. فاريل، دوراً أساسيّاً في تعليمه، وتلقّنَ على يديه أصول اليونانيّة واللّاتينيّة، بالإضافة إلى الانكليزيّة. (برز في اللّاتينيّة وكتب فيها قصيدة طويلة).

وإلى تضلّعه بالانكليزيّة وآدابها، أتقن اللّغة العربيّة. وعندما نشرَ في السنوات الماضية بالعربيّة في «الأخبار»، تعجّبَ كثيرون من بلاغته (وكان يَسرّه ذلك). بقي في غربته يراجع القرآن و«مجاني الأدب» للويس شيخو للحفاظ على صلته بالعربيّة. عمل في «المكتب العربي» في القدس مع ألبرت حوراني وموسى العلمي. انتقل بعد النكبة إلى لبنان وعلّمَ في «المقاصد»، ثم تزوّج من رشا سليم سلام.

انتقل إلى بريطانيا ونال شهادة بكالوريوس من جامعة لندن، ثم انتقل إلى جامعة أوكسفورد حيث نال شهادة إم. ليت في ١٩٥١. درّس العربيّة والدراسات الشرق أوسطيّة في جامعة أوكسفورد حتى العدوان الثلاثي على مصر في ١٩٥٦. وكان فخوراً أنّه استقال احتجاجاً على سياسات بريطانيا، وساندته رشا في قراره.

قبل العدوان، تناهى إلى سمْعه من خبير عسكري بريطاني أنّ بريطانيا وإسرائيل تعدّان لعدوان على مصر. جمعه صائب سلام (شقيق عنبرة وزوجته رشا) بالسفير المصري في لبنان، عبد الحميد غالب، بهدف تحذير مصر. لكنّ السفير المصري لم يأخذ التحذير على محمل الجِدّ. بعد العدوان، سأل عبد الناصر عن هذا الشاب الفلسطيني الذي أرسل تحذيراً إلى مصر وطلب لقاءه.

الخالدي أوّل مؤرخ يدحض دعاية العدو الإسرائيلي عن أن الشعب الفلسطيني ترك أرضه طوعاً

سافر الخالدي إلى مصر حيث استقبله عبد الناصر في منزله وكان أوّل ما قاله له: «أنتَ شكلك بريطاني»، فأجابه الخالدي: «أنا مقدسي من عائلة تمتدّ جذورها في فلسطين لقرون». أحبَّ عبد الناصر والتقاه مرّة أخرى في ١٩٥٨. عندما عاد إلى بيروت، اقترح سيسيل حوراني على الجامعة الأميركيّة أن يأخذ وليد مكانه في دائرة العلوم السياسيّة حيث بقي أستاذاً فيها حتى عام ١٩٨٢. أصبح باحثاً مشاركاً أوّل في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفرد. واقترح على مدير المركز، ناداف صفران، أن يعلّم مادة تاريخ القضيّة الفلسطينيّة، لكن الصهيوني صفران عارضه.

شارك عام ١٩٥٨ في الثورة على كميل شمعون وأوكل إليه صائب سلام الإشراف على الميليشيا الشعبيّة في بيروت الغربيّة. وعندما انقطعت الموارد عن المعارضة، أرسله سلام للقاء عبد الناصر لطلب العون فلبّاه عبد الناصر. في سنوات الحرب الأهليّة، شارك مع حسيب الصباغ في لقاءات (علنيّة وسريّة) مع كميل شمعون وبيار الجميّل بهدف إصلاح العلاقة مع منظّمة التحرير والعمل على وقْف الحرب الأهليّة.

أثار الخالدي ضجّة كبيرة عام ١٩٧٨ عندما نشرَ المقالة الشهيرة في «فورين أفيرز» بعنوان «التفكير في ما لا يمكن التفكير فيه: دولة فلسطينيّة ذات سيادة». اعترض الكثير من الفلسطينيّين والعرب على المقالة ورأوا فيها تنازلاً من قِبل عرفات مع أن الفكرة كانت للخالدي (بموافقة من عرفات). مثّلَ فلسطين في وفد الجامعة العربيّة الذي ترأسه الملك حسين للقاء مارغريت تاتشر في لندن عام ١٩٨٣، للتأكيد على الحقّ الفلسطيني في تقرير المصير.

وكان عضواً في الوفد الفلسطيني – الأردني المشترك في محادثات السلام في مدريد في ١٩٩١. ظهر في الإعلام وتصادق مع الكثير من المراسلين الغربيّين في بيروت. كان صديقه المعلّق في «نيويورك تايمز»، أنتوني لويس، يسهم في نشر مقالاته في «نيويورك تايمز» رغم اعتراض الصهاينة. (لويس اعترف أنّ الخالدي هو الذي أقنعه بأحقيّة الموقف الفلسطيني).

كان الخالدي، بالإضافة إلى عمله التأريخي والبحثي والأرشيفي، قريباً من صنّاع القرار في القضيّة الفلسطينيّة. عرف الحاج أمين الحسيني وأُعجب به ووجده مخلصاً في التزامه. وكان قريباً من قادة معاصرين للعمل الفلسطيني. عرف وديع حدّاد (وكان جاره في محلّة الظريف) وجورج حبش، وتعاطف مع حركة القوميّين العرب. وأصبح في ما بعد قريباً جدّاً من ياسر عرفات وكان من القلّة القليلة التي تجرّأت على معارضة عرفات في وجهه (يروي الخالدي عن مواجهة بينهما عشيّة مجزرة عين الرمانة وكان معارضاً بشدّة لقرار عزل الكتائب اللّبنانيّة).

من إنجازاته الهائلة والكبرى تأسيسه لأوّل مركز أبحاث حديث في العالم العربي، عندما أسّس في ١٩٦٣ «مركز الدراسات الفلسطينيّة» بتمويل أساسي من صديقه الأقرب وابن عمّته، هاني سلام، وعبد المحسن قطّان. المركز كان نتاج فكر الخالدي بأنّ دراسة العدوّ والقضيّة يجب أن تتبع المعايير العلميّة بحذافيرها وألّا تنجرّ وراء العاطفة وفكر التمنّي. شكّل المركز مدرسة قلّدها كثيرون (مثل «مركز الأهرام» وغيره). كتب الكثير في القضيّة الفلسطينيّة وكان ألبرت حوراني يقول: لا يعلم عن النكبة أكثر من وليد الخالدي.

كتابه «من الملاذ إلى الغزو: قراءات في الصهيونيّة ومسألة فلسطين حتى ١٩٤٨» من أفضل المقدّمات الرصينة والغنيّة عن تاريخ القضيّة. ومقدّمته الطويلة تصلح كأفضل تثقيف سريع عن النكبة.

كان أوّل مؤرّخ (قبل ظاهرة المؤرّخين الجدد في إسرائيل بعقود) يدحض دعاية العدو عن أنّ الشعب الفلسطيني ترك أرضه طوعاً، في مقالة عام ١٩٦١ عن «خطة داليت» لتهجير الفلسطينيّين. كما كان باهراً واستثنائيّاً في التعليم. علّمَ مادة «العالم العربي والغرب»، وحذّر الطلاب من الوقوع في فخاخ الصهاينة. حذّرَنا دوماً من مخاطر معاداة السامية ومن الانجرار وراء تيّار الاستشهاد بـ«بروتوكولات حكماء صهيون» المزوّرة. كان يتحدّث عن تاريخ القضيّة كمن يتحدّث عن تاريخه الشخصي لأنّه ربط حياته بحياة القضيّة التي لم تفارقه يوماً. كلّ الأحاديث معه تدور حول القضيّة وكان دائم التفكير في كيفيّة مجابهة الحركة الصهيونيّة ودعايتها الخبيثة.

عكف في السنوات الأخيرة على كتابة مذكّراته بالانكليزيّة والعناية بالمكتبة الخالديّة، وبقيت ذاكرته مدهشة حتى النهاية. سمح لي بقراءة فصل من المذكّرات عن الجاسوس البريطاني، كيم فيلبي، وكان صديقاً له في بيروت خلال عمله كمراسل لمجلّة «إيكونوميست». سألته في لقاء أخير إذا كان قد راجع موقفه بالنسبة للدعوة إلى «حلّ الدولتَين» في المقالة الشهيرة. قال إنّ موازين القوى لا تسمح بغير ذلك.

أمّا عن حتميّة زوال الصهيونيّة، فقال إنّ الأمر يتعلّق بزوال الدعم والغطاء الأميركي للمشروع الصهيوني. ترك الخالدي إرثاً هائلاً وفريداً من حفْظ الذاكرة الفلسطينيّة، والتحدّي الأكبر مُلقى على مناكب أجيال جديدة لتستمرّ في العناية بالمشروع الفلسطيني البحثي والتأريخي والأرشيفي. كتابه «كي لا ننسى» هو التمسّك بكلّ حبة تراب فلسطيني. سيحتلّ اسم وليد الخالدي مرافق كبيرة في فلسطين بعد تحريرها. كيف لا وهو الذي درس خسارة فلسطين، شبراً شبراً وشهيداً شهيداً. العزاء لفلسطين ولكلّ مَن أحبّها.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة