إحسان عطايا
ما بعد الحرب الأميركية الصهيونية على إيران في 28 شباط 2026، ليس كما قبلها بالنسبة لوجود القواعد الأميركية في المنطقة، حيث باتت الولايات المتحدة مضطرة لمراجعة حساباتها، وإعادة صياغة القرارات المتعلقة بمبررات وجودها، بناء على نتيجة هذه الحرب التي ستحدد مستقبلها ومصيرها.
لقد كان الرد الإيراني على العدوان الغادر الذي استهدفها صادماً ومفاجئاً، فقد باشرت سريعاً باستهداف القواعد الأميركية في دول الجوار بشكل مكثف وبالتزامن مع استهداف عمق كيان الاحتلال الصهيوني، حيث وجّهت ضرباتها المركزة والمتكررة في كل الاتجاهات؛ فاستهدفت الرادارات والمنشآت في القواعد الأميركية الموجودة في البحرين، والإمارات، وقطر، والكويت، وغيرها، كما استهدفت ضباط المخابرات الأميركية والصهيونية خارج هذه القواعد المحتمين بالمدنيين والمختبئين في الفنادق.
واستطاعت إيران أن تفشل أهداف العدوان الأميركي الصهيوني منذ الساعات الأولى لشنّه، فلم يفلح ترامب ونتنياهو في إسقاط النظام الإيراني، رغم استهداف المرشد والقائد الأول في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الإمام علي الخامنئي، واستشهاده مع ثلة من القادة الكبار، في الضربات الأولى التي أغارت فيها أحدث الطائرات الأميركية على العاصمة الإيرانية.
لقد اضطرت الدولة العظمى التي لديها أقوى جيش في العالم، مع أداتها الإجرامية الصهيونية، إلى إظهار تراجع ملحوظ عن الهدف المعلن الأول للحرب التي قادتها ضد إيران، وعن التوقيت التي وضعته لنهاية هذه الحرب كذلك، في ظل خسائر بشرية ومادية كبيرة تكبدتها، بفعل الصواريخ التقليدية والبالستية والمسيرات والدفاعات الإيرانية، ما أجبر بوارجها وحاملات طائراتها إلى الابتعاد عن مرمى النيران. وهذا قد أكسب إيران نقاط قوة تضاف إلى معادلة الردع التي أرستها في تصديها للعدوان الصهيوني الأميركي السابق، ناهيك عن تمكّنها من تهشيم صورة أميركا التي تهيمن على معظم دول العالم، وكسر هيبة جيشها الذي يمتلك أكبر ترسانة أسلحة حديثة ومتطورة بلا منازع.
يأتي التصدي الإيراني للعدوان الواسع عليها، بعد حشد عسكري أميركي هائل في المنطقة، لم يحدث مثله منذ ما يقرب من ربع قرن
يأتي التصدي الإيراني للعدوان الواسع عليها، بعد حشد عسكري أميركي هائل في المنطقة، لم يحدث مثله منذ ما يقرب من ربع قرن، مع إعادة تموضع للقوات الأميركية الموجودة في دول المنطقة، وإجلاء أعداد من الموظفين والعاملين في قواعدها العسكرية، وتوزيع سفن أسطولها البحري بعيداً عن الموانئ لتجنب استهدافها. ما يؤكد استعداد إيران التام لخوض هذه المعركة بقوة واقتدار وجدارة، ومن الواضح أنها لا تريد التوقف قبل حسمها لصالحها، وأعلنت أنها ترفض تلقي الرسائل الأميركية من الوسطاء، ولا سيما أن تجارب المفاوضات غير المباشرة السابقة مع أميركا أثبتت فشلها، وغدر الجانب الأميركي وخداعه فيها.
وتتويجاً لصلابة الموقف الإيراني، يأتي إعلان مجلس خبراء القيادة في إيران تعيين آية الله مجتبى خامنئي مرشداً وقائداً أعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، خلفاً للسيد القائد علي الخامنئي، بعد أسبوع من العدوان الأميركي الصهيوني الغادر، ليؤكد على استمرار النهج نفسه، ومتابعة مسيرة الثورة الإسلامية المباركة التي فجرها الإمام الخميني، ويوجه رسالة قوة مفادها أن إيران لن تخضع لحسابات البلطجة الأميركية الصهيونية التي تمارس على معظم دول العالم، وستواصل حمل الأمانة بصدق وإخلاص وتفانٍ، ومواجهة الاستكبار العالمي بقوة واقتدار، مهما كان الثمن.
وبناء على ما تقدّم، فمن المرجّح أن تميل كفة النصر لصالح إيران، وبالتالي فإنّ مصير القواعد الأميركية في المنطقة سيكون الشلل والاضمحلال، وذلك لعدة أسباب، أبرزها:
– عدم قدرة هذه القواعد على حماية المصالح الأميركية في المنطقة، بل على العكس تماماً فقد أضرّت كثيراً بهذه المصالح، وبالدول المضيفة لها، ما أثار أسئلة كثيرة حول جدوى وجودها.
– فشل القواعد الأميركية في المنطقة، وعدم تمكّنها من ردع إيران، أو منع الصواريخ والمسيرات الإيرانية من الوصول إليها وإعطابها.
– تعرّض أميركا لضغوط من الدول المستضيفة لهذه القواعد، من أجل تقليصها أو إغلاقها، لما سببته لها من أضرار جسيمة، ولتجنّب تحولها إلى ساحة حرب دائمة، حيث أصبحت أراضيها مسرحاً لحرب هي ليست جزءاً منها.
وخلاصة القول، إنّ هذه القواعد ستصبح عبئاً استراتيجيّاً كبيراً، وهدفاً دائماً للضربات الإيرانية، في حال فشلت الحرب الأميركية الصهيونية، ولم تستطع تحقيق أهدافها المعلنة، واضطر ترامب إلى الانزلاق في حرب استنزاف طويلة المدى.
*عضو المكتب السياسي لـ«حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين»