آخر الأخبار

هذه حرب صامتة

1 (1)

أيهم السهلي

يطلّ لبنان على بحر وحرب، الأوّل ثابت منذ الأزل، والثانية هادئة في صياغة البلد، أيضاً منذ الأزل. يسكن في رخاوة الشرق الأوسط، ومثله فلسطين، أخته الأكبر. عايشا معاناة واحدة، لا يعرفها سوى الذي جرّب «الإسرائيلياني» بحسب تعبير الشاعر اللبناني، السوري الأصل، سعيد عقل، الذي بدأ قومياً وانتهى مؤيّداً للصهيونية.

يعيش لبنان على وقع الحرب، يظن الناس أن صعبها لم يأت بعد، وأن القادم سيكون أقسى من الذي شهدته البلاد على مرّ أكثر من أسبوع. لا بهجة هذه الأيام في لبنان، كل لبنان، فالنازح نازح، والباقي في بيته خائف من النزوح، و«المسرور» بما يحدث لأسباب سعيد عقل ذاتها قلق من تداعيات الحرب على الوضع الداخلي اللبناني، واحتمال «يفلت الملق» ولا يبقى أحد في بيته، فتعود الشوارع «غابة بنادق» كما كانت لمدة 15 عاماً خلال الحرب الأهلية بين عامي 1975 – 1990، وهذا القلق وهذا الخوف ينسحبان على كل لبناني في لبنان وخارجه، فلا أحد يريد حرباً داخلية، تعيد عدّاد الزمان إلى الوراء، إلى تلك اللحظة التي كان فيها لبنان مقتلة لأبنائه.

وبين حرب وحرب في لبنان، هناك حرب، ويبقى لبنان حياً، لكن في كل حرب، ثمة ما هو معتاد، وثمة ما هو جديد. فالمشّاء في بيروت يستطلع الحياة شبه الطبيعية في العاصمة. فرق كبير بين حربين، ففي حرب 2024 اكتظّت بيروت بالناس، ولا سيّما أن نزوحاً أضيف إلى الجنوب والضاحية، كان من البقاع، بينما في هذه الحرب، نزح نحو 816,700 إجمالي عدد النازحين المُسجّلين ذاتياً، يأوي منهم 125,800 نازح في مراكز الإيواء حتى أول من أمس، بحسب «التقرير اليومي للوضع الراهن» الذي يصدر عن رئاسة مجلس الوزراء اللبناني.

إلا أنّ بيروت ليست مزدحمة، ووضعها إجمالاً طبيعي، حتى إنّ بعض الفنادق في منطقة الحمرا لديها غرف فارغة. الأمر الذي يعني أن مئات الآلاف من النازحين ليسوا في العاصمة. إذاً أين هم؟! ربما توجّهوا إلى شمال لبنان، والساحل، والجبل. لكنّ «الزنّانة» أول البارحة لم تترك الساحل آمناً بعد استهداف طاول كورنيش الرملة البيضاء، فأودى بحياة نحو 10 أشخاص كانوا نازحين على الكورنيش في خيام خفيفة لا تقيهم البرد ولا المطر. هذه الضربة تحديداً جعلت من سكان بيروت يفكّرون باحتمال وقوع استهداف في أي مكان وهم يقضون أمورهم، وكذلك ما حدث البارحة من استهداف لمبنى في الباشورة، اصطفّت كاميرات الصحافيين، وصورهم على الهواء مباشرة.

«من مبنى بلا معنى إلى معنى بلا مبنى وجدنا الحرب» ــ محمود درويش، «بيروت»

بيروت صغيرة جداً، تبدو كبيت بمنازل كثيرة بحسب تعبير المؤرّخ اللبناني كمال الصليبي الذي اتخذه عنواناً لكتابه الشهير عن الكيان اللبناني، تاريخه وشعبه، وتصارع الأفكار المؤسّسة فيه. وهذه البيروت المذهلة بقدرتها على تلاقي العالم فيها، وإن كان ببضعة شوارع، وأحياء فيها، في الحرب تحافظ على نفسها، مدينة للجميع، لكنها تمتحن اختبار ديمومتها أيضاً، بإمكانية احتمالها الأفكار المختلفة وحتى المتناقضة، فمثلاً تشهد طاولة في مكان عام نقاشاً يحمل تأييداً كاملاً للمقاومة، ومراجعة لأخطائها، منها عدم دخول كل المحور في الحرب في السابع من أكتوبر أو بعده بيوم أو يومين، وبالطبع لن يخلو حديث مثل هذا من «التطقيش» والمبالغات وخلع الانتصارات.

بينما في طاولة أخرى مجاورة، هناك مَن يتحدّث بخطاب «إسرائيلياني» مكتمل الأركان، على طريقة سعيد عقل، فالشاعر الفحل شاعر فحل، لكنّ أفكاره، وإن كانت مخصيّة، إنما هي فكرة، لها أرحام تنمو وتكبر فيها ولا تموت، بل تولد وتقول ما تريد وكيف ما تريد، من الصحافة في المقالة والشاشة، إلى المقاهي على كأس شاي أو كأس ويسكي أو عرق.

هذه حرب صاخبة، تشغل العالم، تلمّ أفكاراً وأصواتاً من كل مكان تتحدّث عنها، كل يوم هناك نهر حبر يغدق من أجلها في الصحف والمواقع الإلكترونية. آراء كثيرة تُكتب وتُحكى بلغات متعدّدة، عبر الصحف والمواقع والشاشات. كذلك تحليلات وازنة، وأخرى ليست إلا للتسلية والترفيه في هذا الجو المشحون. وصخب هذه الحرب الفعلي، بعيداً عن السياسة وتحليلاتها، وآراء العسكريين المستعرضين على الشاشات، موجود في هذه الكلمات، فلو أنّ للكلمات صوتاً حقيقياً لا مجازياً، لصرخت من إزعاج «الزنّانة» الذي لم يتوقّف منذ ساعات، ولصرخت أكثر للتعبير عن الغضب والخوف من أصوات الانفجارات التي تسمعها المدينة منذ أيام، أو بالأحرى بعض المدينة، وبعض لبنان.

* كاتب فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة