سعد الله مزرعاني
السيادة هي المفردة الأكثر تداولاً في هذه المرحلة. بالمقارنة، هي مُتداولة أيضاً، أكثر من أي مرحلة سابقة. السبب وجود أزمة جدّية في هذا الصدد. لا ينبغي أن تكون السيادة موضع خلاف: عندما يتعلّق الأمر بدفع خطر خارجي خصوصاً. يملي ذلك أن تقوم السلطة المسؤولة المعنية بواجبها في التصدّي للمعتدي. أوّل ذلك أن تُتّخذ المواقف والقرارات والتدابير الضرورية، المُتاحة والاستثنائية، في مثل هذا الوضع، في الحقول كافّة: السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية… من ذلك أيضاً، أن تسعى السلطة إلى تعبئة كل الموارد والإمكانات في الحقلين الرسمي والشعبي، الداخلي والخارجي، لخدمة هذا الهدف الوطني السامي. ذلك يعني، بين أمور أساسية أخرى، أن تتوحّد السلطة والمعارضة وتعليق الخلافات بينهما، مهما كانت كبيرة. هذا من حيث المبدأ: أي عندما تكون السلطة المعنية جاهزة للقيام بواجبها على أكمل وجه مطلوب، أو ممكن.
قد لا يكون الأمر على هذا النحو في حالات كثيرة. من ذلك وجود خلل فادح في الوضع الداخلي للبلد المُعتدى عليه. هذا ينطبق، الآن، على الوضع اللبناني، مرة جديدة، كما تشير وقائع سابقة ومتكررة.
أسباب الخلل تعود إلى مرحلة تأسيس الكيان اللبناني الراهن تحت مُسمى «دولة لبنان الكبير» عام 1926. تبلور ذلك أكثر في مرحلة نيل الاستقلال السياسي عام 1943. لقد تمَّ بناء هياكل الدولة والسلطة اللبنانية على قاعدة الكوتا الطائفية المبنيّة، بدورها، على بنية اجتماعية جرى توليفها بقرار من سلطة الانتداب الفرنسي (ضم المدن الساحلية والأقضية الأربعة). تعدّد الطوائف ومعها الأديان، واللغات والإثنيات… ليس استثناءً لبنانياً دون بقية دول العالم! المُميّز في «الصيغة» اللبنانية تفرّدها، تقريباً، بإقحام عامل التمثيل الطائفي في صلب تركيبة السلطة عبر توزيع الحصص ومواقع النفوذ السياسي والتمثيل والإدارة… ما رسَّخ نموذجاً هجيناً ومتخلّفاً وعصياً على التطوّر.
وفَّر ذلك تمايزات وامتيازات رفعها الفريق المحلي الشريك في تأسيس «الصيغة»، إلى مستوى «حقوق» و«ضمانات» له، وشرط وجود للبنان نفسه!
في هذا المناخ انطوى تركيب سلطة القرار على أرجحية فاقعة لمصلحة طرف على حساب الأطراف الأخرى، ولو بدرجات متفاوتة من التهميش. رغم انتفاضة سياسية من أجل نيل الاستقلال، شجّعها المنافس البريطاني، إلا أن فرنسا كرمز للغرب المنتصر والمستعمر، استمرّت مرجعية. لُقّبت بـ«الأم الحنون»: تمسّكاً بلبنان الجديد وبتوازناته التأسيسية. اتّسع الوقت، تباعاً، لبناء إيديولوجية وثقافة ورواية ذات تاريخ مترامٍ في القدم والعراقة، ولتحويل الامتيازات إلى سمة تميّز، وعنصرية، فانتماء وهوية مختلفيْن… في امتداد ذلك، رأى كثيرون من المستفيدين أن ما نشأ برعاية فرنسية، إنما هو «كيان مسيحي»، على غرار مشروع الكيان الصهيوني الذي كانت تتواصل عملية فرضه بالإرهاب والقتل والتهجير، بإشراف المستعمر البريطاني، في فلسطين.
البطريركية المارونية أوفدت ممثلاً عنها للقاء قادة صهاينة وللإعراب عن تأييدها لقيام دولة لهم في فلسطين! ترتّب على ذلك أن لبنان كان «عربي الوجه» فقط (نص الدستور)، وأنه مدين بوجوده وببقائه للغرب. من هنا أيضاً، كان قلق حكامه من أي تغيير فيه أو في محيطه، خصوصاً، إذا كان ذا طابع قومي أو عروبي أو يساري أو ديمقراطي (لجهة قيام نظام مواطنة متساوية)… ترسّخ أن «لبنان إذا استقلّ اهتزّ»، كما عبّر إدوار حنين أحد أركان «الجبهة اللبنانية» الطائفية اليمينية في الحرب الأهلية. تمنّى الشاعر سعيد عقل (في واحدة من شطحاته) لو أنه كان ضابطاً في الجيش الإسرائيلي الذي غزا لبنان عام 1982.
ركب وفد من حزب «الكتائب»، ليلاً، البحر، قاصداً يافا لطلب المساعدة من العدو الإسرائيلي. تمكّن الحزب، لاحقاً، من إيصال نجلَيْ رئيسه ومؤسّسه، بشير وأمين الجميّل، إلى رئاسة الجمهورية. أنشأ الضابط سعد حداد «دولة لبنان الحر»، وأنطوان لحد «جيش لبنان الجنوبي» برعاية إسرائيلية وبتشجيع من «الجبهة اللبنانية». قاد سمير جعجع حملة عسكرية في كنف الاحتلال الإسرائيلي عام 1982 للسيطرة على الشوف. هو يحثّ نتنياهو اليوم على التوسّع في احتلال لبنان باسم «السيادة» رغم مخطّطها المُعلن، رسمياً، لضمّ أجزاء من لبنان إن لم يكن كلّه!
كان من الطبيعي، في ضوء ما تقدّم، أن يتفاقم الانقسام الداخلي، وأن تتعدّد وتتناقض المفاهيم بشأن السيادة: تعريفاً ومضموناً وعلاقات. طرف يرى في السيادة تكريساً وتأبيداً لشروط وعلاقات وتوازنات مرحلة التأسيس. بوصلة قلقه تشير، دائماً، نحو الطرف الفلسطيني والسوري والعروبي والتغييري اليساري… وصولاً إلى الإيراني. وطرف ثانٍ متنوع، يغرف من معين تقاليد وعلاقات ومصالح شعوب المنطقة، ومما تمر به من أزمات وتحدّيات كبيرة ومتفاقمة، خصوصاً منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. العلامة الفارقة، في مسار هذا الطرف، كانت مبادرته إلى تأسيس المقاومة ضد العدو الصهيوني المحتل، عام 1982، في امتداد دوره المميّز في دعم الثورة الفلسطينية ومنع تصفيتها. النجاحات المتلاحقة للمقاومة ضد العدو الصهيوني، أضفت على دورها، خصوصاً منذ عام 2006، بعداً إقليمياً مؤثّراً، الأمر الذي زاد في قلق الطرف الآخر.
تسارع الأحداث والتحوّلات منذ «طوفان الأقصى» وانخراط المقاومة فيها بشكل مباشر، عمّقا من الانقسام الداخلي بشكل غير مسبوق. الطرف الداعم لغزة ضدّ العدوان الصهيوني/ الأميركي الإبادي الهمجي، انتقل، تباعاً، إلى وضع دفاعي خصوصاً بعد اتفاق «وقف الأعمال العدائية» في تشرين الثاني 2024. بالمقابل، الطرف الآخر صعّد، بشكل كبير، على إيقاع ضغوط أسياده في الفريق الذي تقوده واشنطن. بغطاء الوساطة، فرضت واشنطن وصاية على لبنان. مكّنها من ذلك نجاحها في حسم معركتي الرئاسة الأولى والحكومة، ما أحكم سيطرتها على قرار السلطة التنفيذية التي تنعكس في توجهاتها الآن، عبر المفاوضات المباشرة مع تل أبيب، وحدة مواقف كل أطراف التيار التقليدي اليميني الطائفي والعنصري (في السلطة وخارجها)، والمتعاون مع العدو الصهيوني والتابع لواشنطن وأدواتها في المنطقة…
إنّ ما اتخذته السلطة من إجراءات بـ«حصر السلاح»، وبنزع الشرعية عن المقاومة المسلحة ضد العدو، في ظل تمادي وتوسّع عدوانه، ليس ناجماً عن مجرّد أخطاء أو سوء تقدير. إلى ذلك، فإسقاط مبدأ عدم الاعتراف بالعدو، وتوسّل المفاوضات المباشرة معه (عبر واشنطن حصراً) بأي ثمن، وما يخطّط له من تدابير أخطر، إنما هو محاولة متكاملة لإحدات انقلاب جذري في علاقات اللبنانيين الداخلية والخارجية.
لطالما كانت «السيادة»، في قاموس فريق لبناني، كلمة حق يُراد بها باطل. من العنصرية الترامبية، إلى الهمجية الصهيونية، إلى القوى أو «القوات» الانقلابية اللبنانية المغامرة، تتعاظم التحدّيات، وتلحّ ضرورة اشتقاق مقاربات فعّالة للصمود والمقاومة.
* كاتب وسياسي لبناني