آخر الأخبار

هل يشمل “مجلس السلام” لبنان؟

غازي-العريضي-للقبس-لبنان-ذاهب-إلى-فوضى-أخطر-1619009016697

غازي العريضي

أصدر “حاكم العالم”، الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فرمانه بتشكيل “مجلس السلام العالمي” (يرأسه) للإشراف على إدارة شؤون غزّة، وأُعلن من القاهرة قرار تشكيل الهيئة التنفيذية التكنوقراطية التي ستتولّى تسيير شؤون المؤسّسات والإدارات تحت عنوان: البدء بتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزّة.
لافت إعلان الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، الموافقة على الهيئة (اللجنة الوطنية)، وعدم حماسة إسرائيل التي أصدرت بياناً رسمياً يؤكّد أن “إعلان المجلس التنفيذي التابع لمجلس السلام لم يكن منسّقاً معنا ويتعارض مع سياستنا” (!)، وأعلن الجيش الإسرائيلي توسيع دائرة سيطرته على جزء من الأرض الفلسطينية، متجاوزاً الخطّ الأصفر الذي رُسم سابقاً، واستمرّ في أعماله العدوانية ضد الفلسطينيين، قتلاً وقصفاً وتجويعاً ومطاردةً، رافضاً إدخال المساعدات. ويعيش الفلسطينيون حالةً مأساويةً لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، خصوصاً في ظروف الطقس البارد واقتلاع آلاف الخيام التي تؤوي النازحين، والآتي أسوأ.

لا شيء يدفع دولة الاحتلال إلى احترام الشرعية الدولية ولا إلى الاستماع لأمينها العام

فقد خرج عضو الكنيست آلموغ كوهين بتصريحه: “يجب إراقة مزيد من الدماء في غزّة. لا يوجد اليوم التالي لغزّة. يجب أن نقتل كل الإرهابيين ونلغي وجودهم هناك”، واعتبر سفير أميركا لدى إسرائيل مايك هاكابي “على أميركا مباركة إسرائيل أو اللعنة”، هذه “إرادة إلهية” لا يجوز الخروج عليها وتجاوزها، هذا “التزام إلهي أخلاقي”، وواكبه سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون بموقفه: “الأمين العام للمنظمة يحاول ترهيب إسرائيل، وبدلاً من التعامل مع تورّط موظفي أونروا بالإرهاب الذي لا يمكن إنكاره، فإنه يحاول تبييض الجرائم التي ارتكبتها المنظمة وتعمل فرعاً تابعاً لحركة حماس؛ لذا أنهينا تعاملنا معها”. ردّ الأمين العام أنطونيو غوتيريس: “لا يمكن للأمم المتحدة أن تبقى غير مبالية بالإجراءات التي تتخذها إسرائيل وتتعارض بشكل مباشر مع التزاماتها بموجب القانون الدولي. يجب التراجع عنها من دون تأجيل، وإلا سنضطر للجوء إلى محكمة العدل الدولية”.
مبدئياً ونظرياً، الموقف جيّد وضروري، لكن عملياً إسرائيل لا تقيم اعتباراً له. موقفها مبدئي وتاريخي في هذا المجال، واليوم، بعد الذي جرى في غزّة، ومع الدعم الأميركي المطلق لها، وتغطية جرائمها كلّها وإبادتها الجماعية، ومنع محاكمتها وتهديد قضاة المحكمة الجنائية ومحكمة العدل الدوليتَين، والمطالبة بحماية نتنياهو نفسه من المحاكمة بالتهم الموجّهة إليه في الداخل، لأنه بطل “لولا وجوده لما كانت إسرائيل موجودة”، فلا شيء يدفع دولة الاحتلال إلى احترام الشرعية الدولية والاستماع لأمينها العام. ونكرّر التذكير بأن سفيرها مزّق ميثاق الأمم المتحدة وهو يلقي كلمة من منبرها، فكيف إذا كنّا أمام الخطوات المتسارعة بعد إعلان مجلس السلام برئاسة ترامب، وتأكيده أن على الدول المشاركة أن تدفع مليار دولار، وهو سيتصرّف بالمال، وأرفق ذلك بنظام داخلي حول آليات عمل المجلس واعتباره منظمة دولية. ووصف كثيرون خطوته هذه بأنه يركّب كياناً بديلاً من الأمم المتحدة. هذه أبرز مظاهر الفوضى الدولية التي يقود العالم إليها ويغرقه فيها.
بين أميركا وإسرائيل لعبة وقت لا أكثر. ترامب سيسير باتجاه تنفيذ مشروع “المنطقة الاقتصادية المزدهرة” في غزّة، والضغط لنقل فلسطين إلى الخارج، ونتنياهو سيستمرّ بعدوانه والعمل لتهجير الفلسطينيين من غزّة والقطاع ولن يتراجع. ومجلس السلام لا يلغي الاحتلال، بل يغلّفه بإطار آخر أكّد صاحبه (جوزيف بيلزمان) أنه مشروع استعماري جديد، ولا يكرّس اعترافاً بحقّ الفلسطينيين في أرضهم، ولا يشير إلى كيانٍ خاصٍّ بهم، بل على العكس: مشروع هيمنة ونموذج لما ستكون عليه الأمور في المنطقة التي سيسلب أموالها وخيراتها، في ظلّ تطوّرات خطيرة من “أرض الصومال” إلى السودان وليبيا واليمن والعراق وسورية ولبنان، والخلاف الكبير بين العرب وتهديدهم جميعاً من دون استثناء، واستنزاف ثرواتهم وطاقاتهم وإشعال الفتن بينهم قبائل ومذاهب؛ إضافة إلى التطوّرات في إيران المفتوحة على الاحتمالات السالبة كلّها، وسابقة فنزويلا وما سيليها في غرينلاند، وسرعة خطوات ترامب الذي لا شيء يوقفه.

نفّذ الجيش اللبناني المطلوب منه في اتفاق وقف إطلاق النار، ولا ضغط على إسرائيل لتنفيذ بند

ومع ذلك، في غزّة لا حكومة، لا جيش، لا قوة أمنية رسمية، دمار شامل، لا حل. ذهبوا إلى اتفاق واستنفروا الطاقات والدول المؤثّرة، وبدأوا تنفيذ خطوات. في لبنان، ثمة دولة وحكومة، واتفاق وقف أعمال عدائية. نفّذ الجيش اللبناني كل ما هو مطلوب منه في المرحلة الأولى بنجاح وامتياز بإمكانات محدودة جدّاً، ولم يقدّموا أيَّ مساعدة له. ولا نرى تحرّكاً للضغط على إسرائيل لتنفيذ بند واحد من بنود الاتفاق، وهي تستمرّ في عدوانها المفتوح وتهدّد بتوسيعه، والوجود الدولي من خلال “يونيفيل” ينتهي هذا العام، ومشروع “المنطقة الاقتصادية المزدهرة” في الجنوب لا يزال مطروحاً في ظلّ إصرار على عدم عودة أهل الجنوب إلى ديارهم. فهل سنكون أمام فرع لـ”مجلس السلام” في لبنان، بالشراكة التامّة بين أميركا وإسرائيل؟ والأولوية ستكون، بطبيعة الحال، أمن إسرائيل وبشروطها. والثابت في ذلك كلّه: مشروع تقسيم المنطقة بين محميّات إسرائيلية بعد إغراقها بمزيد من الدم والفوضى؟
المشكلة أن قصر النظر، والحقد، والكراهية، والأحلام الواهية، والأورام المتفشّية في عقول كثيرين من متعاطي السياسة في لبنان والمسيطرة عليهم، تسهّل على إسرائيل العمل في توسيع سيطرتها ومحاولة تحقيق مشروعها.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة