آخر الأخبار

مراجعة نقديّة لتجربة حزب الله السياسيّة والعسكريّـة [32]

393629.png
أسعد أبو خليل
خيارات الحزب ومآلاته؟ (2)
1) لا زلتُ في معرِض الحديث عن خيار النزول تحت الأرض والعودة إلى العمل السرّي للحزب. ومن فضائلِ هذا الخيار (الذي تنعّمَ الحزب به – وعانى- في حقْبة الثمانينيّات وحتى التسعينيّات) أنّه كان معزولاً عن بازار العمل السياسي المبتذَل، وعن الانخراط في تشكيل الحكومات واختيار الرؤساء وما يحمله ذلك من كسْب نقمة شعبيّة وطائفيّة بسبب التحالفات والخيارات. لكنّه كان في مأمن من العمليّات الأمنيّة التي حاولت أن تستهدفه.
وفي هذه الفترة الحاليّة بالذات، وبناءً على تجربة المشاركة في الحكومة بعد الحرب المُدمِّرة، لا يمكن الحُكم على نجاح التجربة بالنجاح في ظلّ موازين القوى المتغيّرة جذريّاً. والحزب اقترعَ لجوزيف عون الذي تموضعَ (منذ ورود اسمه قبل سنوات كمرشّح رئاسي) في الخندق المواجه للحزب وهو جاهرَ بموقفه في مقابلته السنويّة الأخيرة، عندما تحدّثَ عن الحزب وجمهوره كـ«الطرف الآخر».
ووزيرا الحزب في الحكومة ليسا فعّالَين أبداً: قارنْ وقارني الأداء الفعّال -من حيث النقل القوي والدائم لوجهة الطرف السياسي الذي يمثّله الوزراء- مع وزيرَيِ الحزب ووزيرَي «أمل». لم يخطرْ لوزير الصحّة أن يردَّ على طروحات وزير خارجيّة «القوّات» إلّا قبل أيّام وبعد أسابيع من إطلالة الأخير أمام حفل للذراع الفكريّة للّوبي الإسرائيلي في واشنطن. وهناك الحِلف القوي بين الحزب والحركة، والطرفان (على ما يُقال لنا دائماً) واحدٌ والثقة بينهما كاملة، فلماذا لا يترك الحزب التمثيل السياسي للحركة، خصوصاً أنّ الحليف أمهر من الحزب في اللّعبة السياسيّة بكثير نظراً إلى تمرّسه وإلى إلمام برّي بشؤون الدولة وإلى مهارته في اجتراح مخارج وحلول لصالح الدولة (أو لصالح الحليفَين لأنّ الحزب لا اعتراض له البتّة على أداء برّي السياسي.
وكلام محمد رعد ونعيم قاسم في الثناء على برّي لا يترك مجالاً للشكّ ويدحض محاولات الإعلام الخليجي إثارة الفرقة بين الطرفَين)؟ الحزب (مع استثناءات) لم ينجحْ في اختيار وزرائه ونوّابه وخلافاً لـ«القوات» (التي تتقن اللّعبة السياسيّة والإعلاميّة والانتخابيّة، وتتفوّق فيها على باقي الأحزاب والتنظيمات) لم يدرك أنّ دور الوزراء والنوّاب هو إعلام وعلاقات عامّة قبل أي شيء آخر.
التشريع في مجلس النوّاب ضعيف في لبنان (معظم ما يقوم به نواب التغيير هو تقديم أسئلة واعتراضات وتدبيج عرائض) ويأتي التشريع دائماً وفْق أوامر من فوق (سوريّة أو سعوديّة أو أميركيّة أو إسرائيليّة في المرحلة الأخيرة). والحزب ارتضى، في عهد نصرالله، أن يترك مهمّة شرح وجهة نظر الحزب للأمين العام في إطلالاته، لكن حتّى تلك لم تكن تكفي في عصر طغيان فضائيّات أخبار تضخّ البروباغاندا المُعادية على مدار الساعة.
2) خيار الاستمرار على النهج القديم، وهذا الخيار يبدو أنّه السائد: يستمرّ الحزب في الانخراط الكامل في العمليّة السياسيّة مع تمثيل سياسي متواضع (أصغر من حجم التمثيل الشعبي والرقمي بكثير) في الحكومات وفي الاتّكال على الحليف الشيعي لإيجاد حلول مؤقّتة (لأنّ كلّ الحلول في لبنان مؤقّتة -على طريقة المادّة الـ95 في الدستور القديم- لأنّ الحلول النهائيّة تتطلّب توافقاً وطنيّاً وطائفيّاً غير موجود).
وفي هذا الخيار، يكون الحزب مُشاركاً في عمليّة سياسيّة يخطّطُ لها (بالتفصيل) أعداؤه الإقليميّون والدوليّون، وليس خافياً أنّ سياسات العهد ليست إلّا توفيقاً وتوليفاً بين ما تطلبه السعوديّة وما تطلبه أميركا التي تنقل طلبات إسرائيل بحذافيرها. هذا الخيار يعكس تمسّك الحزب بالنظام الذي دخل فيه، وبقوّة، بعد اغتيال الحريري. وهو أمسك بزمام السلطة أمام الاحتجاجات بعد الانهيار في 2019. يريد الحزب أن يحافظ على التوازنات الطائفيّة ويمنع الانهيار أو النزاع الطائفي. طبعاً، شارك الحزب، مثل غيره، في المحاصصة والمغانمة وإن بدرجة أقلّ (أقلّ من حليفه الشيعي مثلاً). المشكلة أنّ الخيار هذا بات محفوفاً بالمخاطر بالنسبة إلى الحزب لأنّ الدولة اليوم باتت تأتمر من أميركا والسعودية وحتى من إسرائيل (عبر الـ«ميكانيزم»، العسكري والمدني).
لم يعد للحزب تمثيل في أجهزة الدولة المُقرِّرة، وحتى «أمل» فقدت الكثير من نفوذها في الدولة. أميركا تأمرُ فتُطاع. إنّ منْع الطيران الإيراني المدني هو انعكاس لحالة الضعف للحليفَين. ليس هناك من مبرّر قانوني أو منطقي لمنع الطيران المدني أو لإخضاع الوفود الإيرانيّة لتفتيش دقيق فيما يسيطر حلفاء إسرائيل (أميركا أولاً) على مرافق الدولة. يجول السفير الأميركي على مرافق الدولة ووزاراتها ويبحث في كلّ جوانب السياسات فيما يصبح تصريح إيراني عن دعْم لبنان تدخّلاً سافراً في شؤونه.

يتمنّى الحزب -أو هكذا يتراءى لي- أنّ الأولويّة تكمن في «تقطيع المرحلة» لكن هذه مرحلة ليست كسابقاتها. المرحلة قد لا تقطع ولو تغيّر ترامب. لا ننسى أنّ بايدن لم يعكس أيّاً من سياسات ترامب حول الشرق الأوسط، بل سعى جهده للبناء عليها

يتمنّى الحزب -أو هكذا يتراءى لي- أنّ الأولويّة تكمن في «تقطيع المرحلة»، ولكن هذه مرحلة ليست كسابقاتها. المرحلة قد لا تقطع ولو تغيّر ترامب. لا ننسى أنّ بايدن لم يعكس أيّاً من سياسات ترامب حول الشرق الأوسط، بل سعى جهده للبناء عليها (كان هدفه الوحيد في الشرق الأوسط هو حثّ السعوديّة على الانضمام إلى «الحلف الإبراهيمي»، وأغلق الباب أمام ما كان يُسمّى بـ«مسيرة السلام»). هو حافظ على اعتراف أميركا بالسيادة الإسرائيليّة على الجولان وعلى نقْل السفارة وعلى إغلاق الممثّلية في القدس الشرقيّة وعلى تجاهل الاستيطان وعلى خرْق الاتّفاق النووي الدولي مع إيران وعلى إغلاق مكتب منظّمة التحرير في واشنطن.
وكان الانقلاب على بعض سياسات ترامب في الشرق الأوسط جزءاً من وعود بايدن الانتخابيّة. أوروبا ليست في وارد معاكسة إرادة أميركا، في هذه الإدارة أو في غيرها، وليس مضموناً أنّ الحزب الديموقراطي -لو وصل إلى السلطة، وهذا مشكوكٌ فيه- سيكون أكثر تفهّماً لقضايا العرب وأقلّ تصلّباً مع إيران. عهد بايدن هو عهد السماح بحرب الإبادة، وترامب أكملها.
والوضع الداخلي ليس في صالح الحزب لو استمرّ في سياسة المشاركة التقليديّة. لا يمكن الركون إلى استطلاعات رأي قليلة تُظهر أنّ الحزب يحظى مع سلاحه بتأييد الأكثريّة. الرأي العام اللّبناني (المسلم والمسيحي) لم يعد رافضاً بقوّة لخيار السلام مع إسرائيل، كما إنّ ردّ فعله (كما ردّ فعل الرأي العام العربي عموماً) نحو الإبادة في غزّة كان أدنى بكثير من ردّ فعل الرأي العام الغربي. والسعودية تتمتّع بشعبيّة في أوساط السنّة في لبنان وخيارات معظم الشيعة تبدو معزولة عن أفراد باقي الطوائف (باستثناء قلّة، السرعة التي انتقل فيها فيصل كرامي من ضفّة إلى أخرى مؤشِّر على المزاج الطائفي السنّي العام، وإلى أطماع سياسيّة).
3) خيار تسليم السلاح أو وضْعه بحوزة الجيش. لو أنّ الحزب قبِل بهذا الخيار، فإنّ المطالب الإسرائيليّة لن تتوقّف. على العكس، ففي اليوم التالي للتسليم، ستفرض إسرائيل شروطاً جديدة على لبنان منها: (1) السماح لجيش العدوّ بالقيام بدوريّات في الجنوب والبقاع. (2) تدخّل إسرائيل في تعيين قادة الألوية والوحدات في الجنوب. (3) شرعنة قيام إسرائيل بقتْل مَن تريد من أعضاء الحزب وأنصاره واعتقالهم. (4) فرْض توقيع اتّفاقيّة سلام وتطبيع تتخطّى إذلال 17 أيّار.
(5) فرْض تعديلات في اتّفاقيّة الطائف لتخفيض الوزن السياسي للشيعة، وربّما لإقصائهم من الحكومات. (6) السماح للجيش السوري الجديد (لو استمرَّ النظام) بالقيام بدوريّات مشتركة مع الجيش الإسرائيلي على طول الحدود مع لبنان. (7) وضْع تعيين شخص قائد الجيش بيد جيش إسرائيل. (8) التسليم بإنشاء قواعد عسكريّة إسرائيليّة في مجمل الأراضي اللّبنانيّة. (9) فرْض حظْر شامل في الإعلام على مشاعر العداء لإسرائيل ومواقفه (ينسى اللّبنانيّون أنّ هذا كان من بنود 17 أيار). (10) حظْر كلّ الأحزاب التي تتضمّن عقيدتُها عداء للصهيونيّة. (11) إنشاء محكمة دوليّة (جديدة خاصّة بلبنان) لمحاكمة الحزب على جرائم حرب تتّهمه بها إسرائيل وأميركا.
(12) فرْض عقوبات ماليّة على الدولة اللّبنانية للتعويض على «ضحايا» إسرائيليّة لعمليّات قام بها الحزب منذ تأسيسه. (13) المشاركة في صياغة منهج دراسي جديد لفرْض نسق متطوّر (أو متدنٍّ، حسب موقف الشخص) من التطبيع الكامل والشامل. (14) إعلان مشاركة لبنان رسميّاً في الاتّفاقيّات الإبراهيميّة. (15) دعْم مطلب للنظام السوري الجديد لفرض عقوبات مالية على الدولة اللّبنانيّة عقاباً على مشاركة الحزب في الحرب السوريّة. (16) إنشاء مقرّات ثابتة للموساد في لبنان.
ثم، هناك مثال سوريا تحت حُكم الشرع: سلّمَ لإسرائيل بسيادتها كاملة على بلده وفتح معها مفاوضات مباشرة في أكثر من ستّ حلْقات، ولكنّها زادت من شهيّة إسرائيل في التدخّل في سوريا وفي قصْف أهداف فيها (بما فيها أهداف النظام التي تحاول «الجزيرة» وإعلام قطر تصويرها بأنّها «أهداف للنظام البائد»).
4) طبعاً، هناك خيار الحلّ الذاتي، وهناك سابقة حلّ الحزب الشيوعي المصري نفسه في عام 1964. لكن هذا الحلّ (لو كان حلاًّ) لن يُنهي مشكلات الحزب أو يقطع شهيّة إسرائيل للنقمة والثأر. ستلاحق كلّ عنصر أو متعاطف في لبنان والمنطقة لفرْض عقوبة عليه أو لقتْله مباشرةً. وهذا الخيار سيتأثّر بما سيستجدّ في المنطقة، وبخاصّة بالنسبة إلى وجود النظام الإيراني الذي يعاني أكبر تهديد لوجوده منذ الثورة الإسلاميّة في إيران. لكنّ عقيدة أعضاء الحزب (الدينيّة-السياسيّة) تستبعد إمكانيّة اللّجوء إلى هذا السيناريو. والحزب اليوم مشحون بعقيدة تتضمّن الثأر التاريخي لاغتيال نصرالله.
الحلّ سيعني التخلّي عن إرث نصرالله في الجهاد ضدّ الصهيونيّة. يفتح أنصار الحزب، لا بل الشيعة في لبنان، الباب واسعاً (لِمَ تمَّ حلّ الحزب) للاقتصاص من خياراتهم من قبل أعدائهم الطائفيّين والسياسيّين في الداخل والخارج. لن ينتهي حساب حِلف إسرائيل مع الحزب بإعلان حلِّ نفسه.
كلّ الخيارات صعبة أمام الحزب وأمام لبنان. يُخطئ مَن يظنّ أنّ إسرائيل يمكن أن تعادي فريقاً واحداً في بلد. هي تستهدف سيادة البلد التي تعتدي عليه وليس طائفة واحدة أو حزباً واحداً. يحاول العهد الجديد أن يُطمئِن إسرائيل (كما طمأنها الشرع بمجرّد أن وصل إلى الحُكم) ورئيس الجمهوريّة يزهو أنّه خلال حُكمه لم تُطلق رصاصة واحدة ضدّ إسرائيل (وهو نفسه الذي كان يحدّثنا كقائد للجيش عن «جهوزيّة» القوات المسلّحة اللّبنانيّة أمام إسرائيل). الحزب أمام تحدٍّ مصيريٍّ، والمرحلة قد تُنتج أساليب جديدة و، ربّما، تنظيمات جديدة.
(انتهى)

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة